Monday, July 14, 2008

الصحافة في عهد البعث الثاني في العراق 1968-2003

الصحافة في عهد البعث الثاني في العراق 1968-2003

أحمد الصالح

تقديم

عَرف العراق الصحافة أول مرة بصدور جريدة (الزوراء) باللغة العربية في عام 1869 ابان سلطة الوالي مدحت باشا، وبدأ العراقيون يحتفلون في 15 حزيران من كل عام عيداً للصحافة منذ قيام الاحتفالية بمئويتها عام 1969 . كما عَرف العراق التلفاز عام 1956، ويُعتبر من أوائل الدول العربية التي تأسست فيها هذه الوسيلة الإعلامية المؤثرة، وكان قد عَرف أيضا البث السمعي (الراديو) في العام 1936 حيث يعد من دول الشرق الأوسط الرائدة في هذا المجال.وخضعت الوسيلتان السمعية والبصرية منذ تأسيسهما في العراق الى السيطرة الحكومية وفق تشريعات خاصة، بيد أن الصحافة الورقية يمكن استثناءها من هذه السيطرة المباشرة، سوى القليل من الصحف التي أصدرتها الجهات الحكومية في مراحل تطور العراق السياسي في العهد الملكي الذي امتد حتى قيام الجمهورية في 14 تموز 1958. ثم ليُحصر امتياز الأصدار الصحفي في العهود اللاحقة بيد الجهات الحكومية والمنظمات المرتبطة بها عدا بعض الإستثناءات في هذا العهد أو ذاك .
كانت الصحافة العراقية إمتداد للنزاع السياسي المباشر عقب إنشاء الدولة العراقية ، هذا إذا إستثنينا بقدر ما الصحافة الساخرة التي كانت بدورها مرآةً تهكمية مسيسة في الكثير من الأحيان .ولم يتح للبلاد بلورة ما يسمى " السلطة الرابعة " التي يتعين أن تراقب السلطات الثلاث الأخرى كما يفترض . ومن هذا الموقع واجهت المؤسسة الإعلامية سلطة الدولة الفتية وغير الخبيرة وأحياناً المنحازة الى " العهد " تماماً كما واجهت أحزاباً تقع المنازعة السياسية في صلب عملها ومقدمة أولوياتها مما أفضى في النهاية الى دمج وإخضاع السلطة الرابعة لتأثيرهما بل عمدت الدولة في خضم الصراع ولا سيما خلال الخمسينات الى الغائها بالكامل. ولهذا لم تتمكن الصحافة من تطوير عدتها المهنية بحيث تقوم بالواجبات التي تتحملها مثيلاتها في الديمقراطيات البرلمانية الإخرى . ومع نشوء أجيال من الصحافيين المهنيين والمشاهير من رحم تلك الصحافة السياسية ، إلا انهم كانوا بمقاييس الإحتراف محض معلقين ومحللين سياسيين أكثر منهم أركان صحافة مهنية تقليدية بالمعنى الواسع .(1)

تشريعات قديمة للإعلام
أصدرت السلطات الحاكمة في العراق تشريعات و قوانين تنظم عملية إصدار الصحف منذ العهد العثماني، حيث صدر أول نظام لها بتشريع قانون المطبوعات في 16 تموز1909 بعد الإنقلاب الدستوري لعام 1908. وكان قد صدر خلال ثلاث سنوات من صدور هذا القانون 37 جريدة كان أولها جريدة (بغداد) كأول صحيفة شعبية تصبح ملكاً خاصاً.من مواد هذا القانون:- يجوز أن تعطل مؤقتا الجريدة أو المجلة التي تنشر ما من شأنه أن يخل بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي. (السجن من 3 اشهرالى 3 سنوات)وشرع القضاء العراقي أول قانون عرف بقانون المطبوعات رقم 82 لسنة 1931 والذي يعتبر صدوره من أهم العوامل أو الاسباب التي ادت الى تخلف الصحافة العراقية، خاصة فيما يتعلق بمواد التعطيل الإداري وإلغاء الإمتياز، حيث جاء في فقرات المادة 18 منه: يجوز لوزير الداخلية إنزال العقوبة أذا:- نشر ما يخلُ بأمن الدولة الداخلي والخارجي.- ما يسبب الكراهية والبغضاء بين أفراد الشعب وطبقاته بصورة تخل بأمن الدولة.- ما يؤثر على الصلات الودية بين العراق والدول الأجنبية.- ما يخالف الحقيقة بقصد إثارة الرأي العام.- ما يخل بالآداب والأخلاق العامة.- ما يسبب كراهية الحكومة أو يمس كرامتها.بقي هذا القانون سارياً حتى عام 1954، عندما عدّل بقانون آخر لم يختلف عن السابق سوى أن بعض الأحكام الخاصة بالغرامة والسجن قد إرتفعت. وإرتبطت بعد صدر القانون كل الصحف والمجلات الصادرة في العراق مباشرة بمديرية الدعاية التي انشأتها الحكومة وربطتها بدورها بوزارة الداخلية.
بعد 14 تموز 1958 أنشأت حكومة العهد الجديد أول مرة (وزارة الارشاد) التي أشرفت وسيطرت بصورة تكاد تكون تامة عل وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية.
وبعيد إنقلاب 8 شباط 1963، وفي عهد حكم البعث الأول ألغت حكومة الإنقلاب جميع الصحف والمجلات في العراق، والتي دامت في السلطة تسعة أشهر فقط، على أثر قيام عبد السلام عارف بإنقلاب تشرين وإزاحة حزب البعث العربي الاشتراكي عن الحكم.في 28 نيسان 1964، صدر قانون جديد حمل الرقم 53 ، لم يختلف في جوهره عن القوانين السابقة إلا ما يتعلق بإجازة المطبوع السياسي، حيث نصت المادة على أن يكون عدد أعضاء أصحاب الإمتياز خمسة أفراد بدلاً من واحد فقط، شريطة أن لا يكونون من موظفي الدولة، إثنان منهم يجب أن يكونا من الذين مارسوا المهنة وأن يكون رئيس التحرير من حاملي شهادة كلية الحقوق أو أية شهادة جامعية عليا.

تشريعات جديدة في عهد البعث الثاني
وتبعاً لما تقدم فقد دخل النشاط الصحفي في العراق حقبة حكم البعث الثاني أثر إنقلاب 17 تموز 1968 و هو يحمل معه أرث مشوش وغير مكتمل مهنياً و تأسيسياً لصحافة مستقلة منذ نشؤ الدولة العراقية الحديثة في العام 1921.
و كان لابد للإنقلابيين الجدد أن يصدروا قانوناً جديداً للمطبوعات ينسجم مع توجهات نظامهم الإقصائية والإستئثار بالحكم لصالح حزب البعث الذي شارك في الأنقلاب ثم إستلم مقاليد الأمور تماماً في أنقلاب آخر في 30 تموز 1968 حيث تمكن من إقصاء شركاؤه الفاعلين و الذين كان لهم الدور الأكبر في الإطاحة بنظام عبد الرحمن عارف و هما (عبد الرزاق النايف و ابراهيم الداوود) .
ففي 5 كانون الثاني 1969، نشرت جريدة (الوقائع العراقية) الرسمية الصادرة عن دائرة المطبوعات، نص قانون المطبوعات رقم 206 لعام 1968 الذي بقي ساري المفعول حتى سقوط النظام في 9 نيسان 2003.(2)و هو القانون الذي تم الركون اليه آنذاك في رفع الدعاوى عن ما ينشر في الصحف من (أساءات مفترضة) لنظام الحكم أو لرجاله وهو مليء بالممنوعات والعقوبات والمحرمات وهو أحد أهم القوانين التي جعلت الكتابة آنذاك ورطة ما بعدها ورطة فصاحب المطبوع ورئيس التحرير وكاتب المقال كلهم مجرمون إذا مس المقال شعرة من رأس النظام.
كما صدر أيضا قانون نقابة الصحفيين رقم 178 لسنة 1969 وتعديلاته ، وهو قانون ملغوم بالدس لصالح ( الحزب والثورة) كالتضليل وإستغلال الصحافة بما يفيد جهة معادية أو إثارة الغرائز وما الى ذلك.
لكن يجدر الإشارة الى أن نقابة الصحفيين خلال حقبة "البعث" إستطاعت أن تحقق بعض المطالب المهنية لقسم من الصحفيين خاصة فيما يتعلق بتوزيع الأراضي و على عدة مراحل كان آخرها في مطلع التسعينات . كما تم إصدار قانون صندوق تقاعد الصحفيين الذي كان يؤمل له أن يكرّم الصحفيين في شيخوختهم و يضمن لهم العيش الطيب، لكنه و منذ صدوره حتى اليوم لا يتقاضى الصحفيون بموجبه إلا رواتب بائسة لا تكاد تسد احتياجاتهم ليوم واحد .و هناك أيضا ً مواد من قانون العقوبات الرقم 111 لسنة 1969 والذي نظم أحكام المسؤولية في جرائم النشر في المواد( 81 ـ 84) قرر معاقبة رئيس تحرير الصحيفة بصفته فاعلاً أصلياً للجرائم التي ترتكب بواسطة النشر في صحيفته واذا لم يكن ثمة رئيس تحرير يعاقب المحرر المسؤول عن القسم الذي حصل فيه النشر فضلاً عن شمول الصحفي بجريمة القذف في المادة 433وجريمة السب والشتم في المادة 434 من القانون ذاته.
جرائد و مجلات
منذ بداية عهد إنقلاب 1968 تولت الجهات الحكومية و المنظمات المهنية و النقابية المرتبطة بحزب البعث فقط إصدار الصحف والمطبوعات فضلاً عن سيطرة السلطة سيطرة تامة على الإذاعة و التلفزيون ، و كان التلفزيون بقناتين أرضيتين فقط تبث لساعات محددة من النهار و المساء ولحقتهما قناة تلفزيونية ثالثة في عقد التسعينيات سميت بتلفزيون (الشباب) التي كانت عائديتها "لعدي" الإبن الأكبر لرئيس النظام صدام ، كما شهد عقد التسعينات إنظلاق قناة (تلفزيون بغداد الثقافي) الذي ما لبث ان تحول الى (قناة العراق الفضائية) و التي إستمر بثها حتى سقوط النظام في 2003 . أما (إذاعة بغداد) والتي تأسست في العام 1936 أستمرت ببث برامجها ، ثم أقدمت سلطة البعث على إطلاق إذاعة( صوت الجماهير) . وفي التسعينات أطلق "عدي صدام" إذاعة (الشباب) .
(جريدة الجمهورية) الرسمية التي سبق و أن صدرت في بداية العهد الجمهوري في العام 1958 إستمر صدورها في ظل سلطة البعث و لكن بإدارة جديدة و بتوجهات تنسجم مع خطاب النظام الجديد ، ثم أقدمت السلطة و في وقت مبكر من إستلامها لمقاليد الحكم على تأسيس (دار الثورة للصحافة و النشر) بميزانية باذخة و يسرّت لها مباني ضخمة و مطبعة كبيرة وإستقدمت لها كتّاب عراقيين وعرب أعلنوا إنتمائهم الصريح للبعث وأيدلوجيته رغم أن البعض منهم كانوا محسوبين على الشيوعيين في وقت سابق ، و صدر عن الدار جريدة ( الثورة ) اليومية بوصفها جريدة ناطقة بإسم حزب البعث الحاكم .
و جريدة (القادسية) التي صدرت عن وزارة الدفاع مع بداية الحرب العراقية- الإيرانية عام 1980 و صدرعنها عدد الأحد ( القادسية الإسبوعي) الموسع والمنوع فيما بعد .
كما صدرت عن وزارة الدفاع مجلة (حراس الوطن) التي كانت متخصصة بالشؤون العسكرية و تصدر شهرياً ثم تحولت الى إسبوعية في العام 1989 وأصبحت مجلة منوعة عامة ونافست مجلة (الف باء) بل فاقتها في التوزيع في السوق بعد صدور الأعداد القليلة الأولى منها ، وتم إغلاقها في أواخر العام 1990 بعد غزو النظام للكويت .
و أثر بيان آذار في العام 1970 الذي وضع أسس التحالف بين حزب البعث الحاكم و الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة الملا مصطفى البارزاني صدرت جر يدة (التآخي) باللغة العربية لتكن ناطقة باسم الحزب الكردي المذكور. و بعد إعلان ميثاق العمل الوطني عام 1972 والذي مهد الطريق لقيام التحالف الجبهوي بين حزب البعث الحاكم و الحزب الشيوعي العراقي في العام 1973 ، صدرت جريدة (الفكر الجديد) الأسبوعية في العام 1972 ثم تبعتها جريدة (طريق الشعب) اليومية في العام 1973 أثر إعلان الجبهة بين الحزبين في ذلك العام ، والجريدتان ناطقتان بإسم الحزب الشيوعي العراقي . و هناك أيضا مجلة (الثقافة الجديدة) التي رأس تحريرها "الدكتور صلاح خالص" و هي مطبوع أهلي ، تبنت توجهات يسارية و قريبة من الخطاب السياسي للشيوعيين .
في العام 1979 و بعد إستحواذ "صدام حسين" على السلطة بشكل مطلق وحيث قُضي على التحالف الجبهوي بين البعثيين والشيوعيين قبل ذلك بأقل من عام ، توقفت جريدتا (الفكر الجديد) و (طريق الشعب) عن الصدور العلني و إستمرت مجلة (الثقافة الجديدة) بالصدور برئاسة التحرير نفسها الى أواسط الثمانينات لتتوقف كلياً فيما بعد وفاة رئيس تحريرها ثم تخلي زوجته عنها بعد صدورعدة أعداد منها. وإثر إنهيارالتحالف بين سلطة البعث و قيادة البارزاني توقفت جريدة (التآخي) عن الصدور لتحل محلها جريدة (العراق) بإدارة جديدة و بتوجهات منسجمة مع الخطاب السياسي للنظام خاصة في ما يتعلق برؤيته للمسألة الكردية .
كما صدرت صحف و مجلات عديدة ناطقة بإسم النقابات والمنظمات الجماهيرية التي أسستها السلطة الجديدة للسيطرة على قطاعات المجتمع كافة وللترويج لسياسات حزب البعث الحاكم .
فهناك مجلة (صوت الطلبة) ومجلة (المرأة) ومجلة (وعي العمال) ومجلة (صوت الفلاح) و مجلة ( المصور ) وواضح من عناوينها إنها تدل على الشرائح و القطاعات الناطقة بإسمها بالإضافة الى عشرات المجلات التابعة لمؤسسات الدولة و المنظمات والإتحادات المهنية العراقية والعربية التي كانت في ضيافة نظام الحكم في بغداد . و هناك أيضا جريدة( بغداد اوبزرفر) باللغة الأنكليزية تصدر عن دار الجماهير الحكومية .
و في عقد الثمانينات صدرت جريدة (البعث الرياضي) التي يشرف عليها "عدي إبن رئيس النظام" لتنمو مع السنين وتصبح في ما بعد مؤسسة كبيرة، تضم (نادي الرشيد الرياضي) ثم (اللجنة الأولمبية الرياضية) ثم في التسعينات أصدر "عدي" جريدة (بابل) اليومية التي أتاح لها النظام المجال واسعاً لإنتقاد الأداء الحكومي في قطاع الخدمات خاصة ، عدا التعرض الى شخص رأس النظام و المقربين منه من أفراد أسرته ، ثم مجلة (الرافدين الإسبوعية) و(إذاعة وتلفزيون الشباب) و (التجمع الثقافي) و ( نقابة الصحفيين ) الذي ضم جميع المنظمات المهنية الناشطة في ميدان الثقافة والفنون ، و جريدة ( الزوراء ) الناطقة بإسم نقابة الصحفيين ، وعدد كبيرمن الصحف الإسبوعية القطاعية الصادرة في التسعينات و جميع هذه المؤسسات تحت إشراف "عدي صدام حسين" و ما يُجنى من أرباح نشاطاتها التجارية يعود لحسابه الشخصي .

ملامح مرحلة
في تموز 1979 حيث تسلم "صدام حسين" رئاسة الجمهورية وحزب البعث من سلفه "أحمد حسن البكر"بإنقلاب غير معلن ، إتّبع الحاكم الجديد سياسة "التبعيث" و ( الفكر الواحد ) في مجالات الثقافة والإعلام والتربية، وربط وسائل الإعلام جميعها بوزارة الإعلام والثقافة التي تناوب على كرسيها كل من:
شفيق الكمالي : شاعر وعضو قيادتين قومية وقطرية. طارق عزيز: رئيس تحرير جريدة الثورة السابق ووزير خارجية لاحقاً.سعد قاسم حمودي: رئيس تحرير جريدة الجمهورية ونقيب الصحفيين.حامد يوسف حمادي: المستشار الدائم في القصر الجمهوري.لطيف نصيف جاسم: رئيس تحرير جريدة صوت الفلاح وعضو منظمة حنين الأمنية.محمد سعيد الصحاف: مدير مؤسسة الإذاعة والتلفزيون السابق ووزير الخارجية لاحقاً.واتّبع هؤلاء الوزراء المتعاقبون سياسة الولاء التام "لصدام حسين"، وأسبغوا عليه عشرات الألقاب التي كان يطرب لها الحاكم الفرد، وصعّدوا من أساليب تدبيج المديح والتمجيد، وقاموا بالدفاع عن النظام وحروبه: (الحرب مع إيران 1980-1988 ؛ اجتياح كردستان العراق ومجزرة مدينة حلبجة الكردية بالسلاح الكيمياوي – عمليات الأنفال التي راح ضحيتها 182 الف مواطن كردي 1988 – غزو الكويت 1990 ، تجفيف الأهوار في الجنوب و تشريد سكانها فضلا عن تصفية كل المعارضين للنظام ).
كما كان لمكتبي الإعلام في القيادة القومية و القطرية لحزب البعث و التي كان يشرف عليهما صدام بشكل مباشر منذ وقت مبكر في السبعينات حتى سقوط النظام أثراً بالغاً في رسم السياسة الإعلامية في البلاد . كان التلفزيون العراقي يبث لقاءات "صدام حسين" وخطبه وترؤسه إجتماعات قيادته ومجلس الوزراء وغيرها من الفعاليات ثلاث مرات في اليوم الواحد أو أكثر. كما تبث اذاعة بغداد خطبه في كل نشرة إخبارية على مدار اليوم الواحد.كانت كل الصحف الصادرة تواصل وفي كل عدد ،منذ تولي صدام الحكم في 1979 وحتى يوم سقوطه، نشر صورة لصدام وبحجم كبير في صدر صفحاتها الإولى وبأوضاع مختلفة ( لباس عسكري – زي قبائلي – قيافة مدنية بقبعة وبالكوفية وبدونهما في أكثر الاوقات).وصدرت في عهد "صدام" 31 مادة إعدام في قانون العقوبات البغدادي، كان نصيب الإعلام منها البعض والتي قتل بحيثياتها وبلا سبب، العشرات من الصحفيين والمثقفين، كان" ضرغام هاشم" سكرتير تحرير مجلة (حراس الوطن) أحد الذين أُعدموا في السجون سراً بعد إنتفاضة أذار 1991 وهي الجريمة التي أثارت حفيظة الإعلاميين العراقيين والعرب وإستنكرتها منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان في أرجاء العالم آنذاك. ومن تلك المواد التي طالت المواطن العراقي:- كل من يرمي عن قصد الجريدة التي تحتوي على صورة رئيس الجمهورية في الشارع.- ومن ينتقد أو يطعن بالرئيس وبالحزب القائد.- ومن يهاجم أو يوجه النقد الى الوزراء وأعضاء القيادة القطرية لحزب البعث.- ومن يهين القوات المسلحة.
ولم يكتف النظام بسياسة (التبعيث) وغسل الأدمغة وإعلان الولاء المطلق لصدام ومبايعته التي تكون نسبة المصوتين له في العادة 99،9 دون وجود أي مرشح آخر ، بل قام بسن قانون يفرض على المسؤولين والمواطنين ووسائل الإعلام إضفاء لقب (أستاذ) على إسم نجله عدي.(3 )
و يذكر أن عزت الدوري نائب صدام و المشرف على الإنتخابات في أواسط التسعينات أستكثر على ما نسبته 0, 04 من الناخبين العراقيين ممن تركوا أوراقهم بيضاء في صندوق الإنتخابات، هذا الموقف المعارض الصامت للنظام ووصفهم بتصريح رسمي ( أنهم بلا أخلاق!! ).
طبعاً من الصعب الحكم على حقبة أمتدت 53 سنة من حكم البعث في العراق على أنها لم تشهد ظهور كفاءات صحفية جيدة في شتى ميادين النشر والأخراج الصحفي ، بيد أن أصوات بعضهم غيبتها السجون و الإعدامات ( غيّب النظام الكاتب البارز و الصحفي "عزيز السيد جاسم" في السجن لسنوات حتى تأكد إعدامه بعد الإطاحة بالنظام كما أقدم النظام على إعدام الخطاط و المصمم الفني "سامي العتابي") و آخرين آثروا الصمت و الكثير منهم إضطروا لمغادرة بلادهم الى المنافي . كان الصحفيون المحترفون طيلة كل تلك السنوات ( يتعذبون ) وهم يرون كفاءاتهم تُهدر في صحف متشابهة من حيث الشكل والمضمون، يتألمون وهم يرون صحفاً متطورة تصدر في بلدان لم تكن تعرف الصحافة يوم كان في العراق صحف تُسقط حكومات. وبمرور الزمن أَحكمت الأجهزة الأمنية يدها على كل الحلقات وأصبح الإستشهاد بأقوال (القائد) هو وحده يجنب الصحفيين المساءلة والتشكيك في المواقف الوطنية. وتمادى الحاكم بالإستهانة بالصحفيين فلَم يكتف بإستدعاء هذا الصحفي العربي أو ذاك، كلما أراد أن يوجه ( خطاباً للأمة) بل أنفق، عبر مخابراته، الملايين من الدولارات على صحفيين أصدروا صحفاً لحسابه، كان يعرف جيداً أنها لاتلقى الإهتمام ، وإستثنى من تلك ( الفرص ) الخارجية حتى الكفاءات المهنية من (البعثيين) أنفسهم رغم أنهم (أبناء النظام وأحباؤه ) . عقدة الحاكم من إبن بلده تتكرر ، وأصبح التنظيم المهني تابعاً للسلطة ، وأُهدرت الإمكانيات المهنية ليتحول التحقيق الصحفي إلى ( تقرير يعده مكتب الإعلام في الوزارة المعنية ويسلمه للصحفي مشترطاً، حسب توجيه وزيره، عدم الحذف والتغيير ). أما العمود الصحفي فقد شهد مداحين لم يعرف تاريخ الصحافة العراقية لهم مثيلاً، كانوا( يسبحون بحمد القائد) ليل نهار، ويتصيدون ( مكرماته)، وإنتهت ( الإفتتاحية ) في الصحف العراقية وتحولت إلى إنشائيات تكتب بتوجيه من الأعلى، ولم يسلم الخبر المحلي من الحصار فأصدر أحد وزراء الإعلام تعميماً يمنع بموجبه نشرالأخبارالمحلية الرسمية التي لاترد للصحف عبر وكالة الأنباء العراقية. فهل هناك عذاب أكبر من هذا بالنسبة للمهنيين الذين حوصرت كفاءاتهم وهمشوا بهذا المستوى ، ثم نصب النظام نقيباً لهم تعامل معهم ( بالحجز والتوقيف وحلاقة الرأس ).(4)
خاتمة
يكفي النظر الى ما جرى في العراق طيلة حكم نظام البعث و صدام لنلمس حالة التخريب المقصود للعملية الإعلامية المهنية حتى كاد النظام أن يكون نموذجاً لما يحصل في النماذج الديكتاتورية ومثيلاتها . فقد عملت الحكومة على إحتكارالمعلومات ووسائل إيصالها أولاً ، وعلى منع المعلومات المحايدة أو " الأخرى " من الوصول الى الناس ثانياً ، حتى أنها إستكملت حلقة التعتيم والعزلة بغلقها المنافذ القليلة والمحدودة التي إضطرت للسماح بها بداية عهدها . ولا تتوفر في البلاد مصادر صحافية وثقافية عالمية أو حتى عربية إلا بما يتناسب وسياسة الحكومة . وتنشغل مئات من محطات التشويش بمنع المواطن من إلتقاط الإذاعات والمحطات التلفزيونية ، بل أن وسائل البريد والهواتف نفسها تخضع لرقابة متصلة على مدار الساعة . يقول(فولتير) في مقدمة كتابه عن الحياة البرلمانية:"إن الحقيقة لا تبدو ناصعة إلا في ظل الحرية التامة، وبعيدا عن المؤثرات التي يتعرض لها الباحث، لذلك نرى ان الشعوب تقبل في عصور الاستبداد على الصحف المستقلة الرأي، وتبتعد عن الصحف الحكومية لأن مصدر وحيها معروف".(5)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جهاد زاير – الصباح الجديد- ملاحظات اولية حول الخصائص السياسية والإجتماعية للصحافة العراقية
(2) من اوراق إسبوع المدى الثقافي الخامس: الإعلام وتأثيره في العملية السياسية في العراق
د. فائق بطي
(3) المصدر السابق
(4)
ليث الحمداني \ صحفيو العراق ...ضحية الأنظمة والاحتلال \ الحوار المتمدن - العدد: 1245 - 2005 / 7 / 1 (5) جهاد زاير – الصباح الجديد- ملاحظات أولية حول الخصائص السياسية والإجتماعية للصحافة العراقية

No comments: