Sunday, October 11, 2009

المواقع الصحفية العراقية الإلكترونية و المسألة العراقية *



أحمد الصالح

تصدت جميع المواقع الصحفية العراقية لمجمل الأحداث والقضايا الجارية على الساحة العراقية منذ التاسع من نيسان 2003 و ما بعده ، و تناولتها بمختلف الفنون الصحفية المعروفة ، و تبعاً لتوجهات المواقع ومديات إلتزامها بأساسيات العمل الصحفي ، يمكن ملاحظة التباين الواضح بين مواقف المواقع و وجهات نظرها أزاء تلك القضايا والأحداث . و رغم تفاوت ظهور المواقع الصحفية على شبكة الإنترنت في أوقات مختلفة ، يمكن ملاحظة و تحديد إتجاهاتها وهويتها ، إذ أن معظم المواقع التزمت خطاباً اعلامياً و سياسياً محدداً قلما يتغير ، مع أن هناك مواقع تحاول التعامل مع مجمل الأحداث بمهنية و حيادية كما يستوجبها العمل الصحفي .
و يمكن إعتماد معيار أساسي يتلخص في مجموعة من الأسماء و القضايا والأحداث التي جرت على الساحة العراقية و من خلاله يمكن الكشف عن طبيعة تعامل المواقع الصحفية مع هذا المعيار ..
و فيما يلي عدد من الشخصيات والأحداث والقضايا المهمة التي رسمت معالم العهد الجديد في العراق ما بعد التاسع من نيسان 2003 ، و بيان طريقة معالجتها من قبل المواقع الصحفية العراقية :
· ( صدام حسين )
تعاملت المواقع الصحفية مع شخصية " صدام حسين " بطرق مختلفة و متباينة ، فبعضها تعامل معها على أساس خلفيته السياسية و البعض الآخر تعامل معها على أساس مهني بحت .
المواقع العائدة للأحزاب و الموالية سياسياً لأحد الأطراف المهتمة بالشأن العراقي ، تعاملت مع شخصية " صدام " على أساس خلفيتها و مرجعيتها السياسية، فالمواقع الإسلامية و العلمانية المعارضة لصدام و المؤيدة للعملية السياسية الجارية بعد إسقاط نظامه ، تصفه " بالدكتاتور " و " الطاغية " و " المستبد " و ما إلى ذلك من صفات سلبية ، في حين تصفه المواقع الموالية لنظام صدام و المواقع الإسلامية المعارضة للعملية السياسية الجارية بعد إسقاط النظام " بالرئيس الشرعي " و " الرئيس الشهيد " و غيرها من الصفات الإيجابية .
أما المواقع المهنية فهي تتعامل مع صدام بوصفه رئيساً لنظام سابق أُطيح به و إبتدأ بعده بناء نظام آخر .
· (عملية حرية العراق)
هذه التسمية كانت قد أطلقتها الولايات المتحدة وحلفاؤها على العمليات العسكرية التي أطاحت بنظام صدام حسين في 9 نيسان 2003 و تم تداولها على نطاق واسع في وسائل الإعلام الأمريكية و الغربية .
أما المواقع الصحفية العراقية فقد أنقسمت فيما بينها في التعامل مع هذه التسمية منها من تعامل معها إيجابيا وإستخدمها في بداية إطلاقها ثم إستبدلها بصياغة إيجابية أخرى مثل ( تحرير العراق ، و عملية إسقاط نظام الإستبداد ) و هذه هي المواقع المساندة لقوات الحلفاء والمؤيدة لها في إسقاط نظام صدام والتي ما زالت مؤيدة للعملية السياسية الجارية في عهد العراق الجديد .
أما المواقع المعارضة لإسقاط نظام صدام والتي ما زالت معارضة للعملية السياسية الجارية في العراق الجديد، فإنها تعاملت سلبيا ًمع هذه التسمية وأستخدمت بدلاً عنها تسميات أخرى مثل ( إحتلال العراق ، والغزو الهمجي للعراق ... الخ ) و من هذه المواقع مَن تبنى نهجاً إسلامياً بشقيه السني والشيعي ، ومواقع أخرى تعود لحزب البعث و لمؤيدي النظام السابق ، وإن كانت توجهاتها غير إسلامية .
· (إحتلال العراق)
المواقع المساندة لقوات الحلفاء في الإطاحة بنظام صدام تعاملت سلبياً مع هذه العبارة و لم تستخدمها ، حتى صدور قرارمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 16 تشرين الأول 2003 الذي جاء بالأجماع في منح " الشرعية الدولية " للإحتلال الأمريكي للعراق حسب لوائح الأمم المتحدة ، ثم بعد ذلك عادت لإستخدام تسمية "التحرير" بعد قيام الحاكم المدني " بول بريمر " بتسليم السيادة للعراقيين في 8 حزيران 2004 حيث صادق مجلس الأمن الدولي بالإجماع على قرار بإنهاء إحتلال العراق في 30 حزيران و نقل السيادة الى إدارة عراقية مؤقته .
أما المواقع الرافضة لعملية إسقاط نظام صدام فهي ما زالت تتعامل إيجابيا مع تسمية " الإحتلال " و تستخدمها بشكل مركزي في خطابها الإعلامي حتى بعد تسليم السيادة للعراقيين و قيام الأمم المتحدة بإستصدار قرار إنهاء الإحتلال السالف الذكر .
· ( محاكمة صدام حسين وإعدامه )
المواقع الموالية للعملية السياسية الجارية تعاملت إيجابيا مع محاكمة رئيس النظام السابق وتابعت وقائعها ، مع بعض الإنتقادات لمجريات المحكمة و ماعدّته بعض التجاوزات القانونية والتساهل الذي أبداه القضاة الذين توالوا على المحاكمة ، ثم أيدّت بشدة حكم المحكمة بإعدام صدام و عاضدته .
أما المواقع غيرالموالية للعهد الجديد والتي ترفض العملية السياسية فهي أيضا رفضت المحاكمة و عدّتها باطلة و وصفتها بكونها " لعبة " من ألاعيب الإحتلال ، ودعت الى إطلاق سراح صدام ، ثم إستنكرت إعدامه في أول يوم العيد، وعدّته متعجلاً و مسيئاً للقيم الإسلامية التي يؤمن بها المجتمع العراقي والعربي .
· ( الديمقراطية في العراق )
أبدت المواقع الموالية للعملية السياسية الجارية بعد إسقاط نظام صدام ، تأييدها و مساندتها للخطوات الديمقراطية التي تبناها العهد الجديد في جميع مراحلها من تشكيل مجلس الحكم الى الجمعية الوطنية الى الإنتخابات العامة الى الإستفتاء على الدستور وإنتخابات مجالس المحافظات ، و رغم أنها في العادة توجه إنتقاداتها لبعض الأجراءات والمناقشات التي تجري في مجلس النواب العراقي أو في جميع مفاصل العملية السياسية الجديدة ، لكنها تعد إنتقاداتها ضمن التوجه الديمقراطي العام للبلاد .
أما المواقع الرافضة للعملية السياسية سواء كانت إسلامية متطرفة أوموالية للنظام السابق ، فإنها سخرت من الديمقراطية كمفهوم (مستورد) وغير قابل للعيش في بيئة إسلامية ، أو أنها عدّتها " مسرحية " من صنع الإحتلال لغرض صرف أنظار الناس عن (جرائمه) .
أما المواقع "البعثية" فهي لا تعترف سوى بشرعية النظام السابق وترفض كل ما بعده .

· (قوات الحرس الوطني)
رحبت المواقع الموالية بتشكيل هذه القوات كبديل للجيش السابق و تعاملت معها إيجابيا و ساندت عملياتها القتالية ضد أعداء النظام الجديد . أما المواقع الرافضة للعملية السياسية فقد رفضت الإعتراف بهذه القوات و تعاملت معها سلبياً و أطلقت عليها تسمية " الحرس الوثني " بقصد تحقيرها و التقليل من شأنها ، بل ودعت الى محاربتها و القضاء عليها بوصفها " صنيعة الإحتلال ".

· (القاعدة و " المجاهدين العرب ")
المواقع الموالية للعملية السياسية، تعاملت مع تنظيم" القاعدة " وما يسمى " بالمجاهدين العرب " تعاملا سلبياً و وصفتهم بالإرهابييين المجرمين ، و إستنكرت عملياتهم القتالية و تفجيراتهم في أوساط المدنيين و تخريبهم المتعمد لمصالح العراقيين وعهدهم الجديد، و شجّعت على مقاتلتهم و القبض عليهم و تقديمهم للعدالة و أدانت دول الجوار التي سهّلت دخولهم للعراق أو ساندتهم إعلامياً و ماليا ً ، و تعرضت بعض المواقع بالنقد للمذهب " الوهابي " الذي ينتمي إليه تنظيم القاعدة من الناحية المذهبية الدينية .
أما المواقع الرافضة للعملية السياسية فقد تباينت مواقفها من تنظيم القاعدة و مقاتليه ، و تبعاً لتطورات العملية السياسية و تتابع مراحلها الزمنية ، فهناك من ساند هذا التنظيم بشكل تام و وصف مقاتليه " بالمجاهدين " أو " المقاومين " ودعا العراقيين الى مناصرته ، و هناك من إنتقل بموقفه من تنظيم " القاعدة " من المساندة في الأيام الإولى للتمرد على العهد الجديد، ثم ما لبث أن إتخذ موقفا منتقداً للتنظيم ، و تحول فيما بعد الى الإستنكار والإدانه والدعوة الى مقاتلته على خلفية تطورات العملية السياسية و تغير مواقف بعض القوى والحركات خاصة في المنطقة الغربية من البلاد و خاصة أولئك الذين أطلق عليهم فيما بعد " بمجالس الصحوات " .

· ( السيد السيستاني و المرجعية الشيعية)
تعاملت المواقع الموالية إيجابيا مع المرجعية الشيعية و " السيد علي السيستاني " وعاضدتها في مواقفها الإيجابية من العملية السياسية و دعمها للإنتخابات و سن الدستور الدائم للبلاد ، و أثنت على أدائها في مواقفها المترافقة مع تطورات الأحداث ، و بعضها عظمّت من دورها و إعتبرتها الهادية والموجهة للجميع والحريصة على حقوق العراقيين جميعاً .
أما المواقع الرافضة ، فقد تعاملت سلبياً مع المرجعية وأطلقت أقذع الصفات عليها وعلى السستاني و حملتها \ و حملته ، المسؤولية الأولى في" إحتلال " العراق ، و طالبت بإقصاء المرجعية و طرد رجال الدين الشيعة المنتسبين إليها بوصفهم غيرعراقيين و يحملون جنسيات أجنبية .
ملاحظات و سمات
نموذج الحكم الديمقراطي الجديد في العراق أتاح مساحة كبيرة من الحريات للعمل الصحفي و شرّع جملة تشريعات تضمن هذه الحرية و تحميها.
فهل النشاط الصحفي الحرالذي يشهده العراق الجديد اليوم يحاكي النموذج الغربي للحرية الصحفية في الأنظمة الديمقراطية المعروفة ؟؟
و هل التشريعات و القوانين كافية لضمان حرية العمل الصحفي و تداول الأخبار بحرية في الصحافة العراقية ؟
إن المتابع و المراقب لأداء المواقع الصحفية العراقية على شبكة الإنترنت يلاحظ و بشكل عام ، جملة سمات أساسية فيما يتعلق في نشر الأخبار و أسلوب معالجتها :
1- إن معظم الأخبار المنشورة غير أصيلة و منقولة عن وسائل إعلام أخرى مثل وكالات الأنباء و قنوات التلفزيون و الإذاعات مما يفقدها عناصر التوقيت والسرعة والتشويق، و هذا يعني أنها أخبار جاهزة، و عيب هذا النوع من الأخبار أنها تكون دائما في متناول أيدي جميع الصحفيين بحيث لا يستطيع الصحفي أن ينفرد بنشرها دون غيره من الصحف . و الإعتماد كثيراً على وسائل إعلامية أخرى ، حتماً يخلق صحافة مزيفة و غيرأصيلة .
2- يغلب على الأخبار المنشورة طابع الإنتقاء والتمييز ليس على أساس القيمة الخبرية المرتكزة الى عناصر الخبر ، إنما على أساس سياسة الموقع و توجهاته السياسية والدينية المذهبية و الحزبية ، مما يفقد الموقع صفة الحياد الموضوعي الذي يستوجبه العمل الصحفي .
3- إرتفاع نسبة عناصر الإثارة والشهرة والأهمية و التشويق في المواقع الصحفية المنحازة حزبيا أو مذهبيا ، و إنخفاض نسبة عناصر التوقيت والمصلحة الإجتماعية والوطنية في هذه المواقع .
4- المواقع غير الحزبية تسعى الى إعتماد العناصر الأساسية في أخبارها المنشورة ، و تحاول تأسيس تقاليد مهنية صحيحة .
5- رغم التوسع الكبير جداً في العمل الصحفي الحر في العراق الجديد لكن يلاحظ إنحسار الأخبار المبدعة الأصيلة تلك التي يبذل المخبر الصحفي جهداً كبيراً في الحصول عليها و إستكمالها بالمعلومات الكافية .
و قد يعود السبب في هذا الإنحسار الى تدهور الوضع الأمني في العراق و إستهداف الصحفيين بشكل خاص من قبل الجماعات الأرهابية و المسلحة مما أعاق الى حد كبير من نشاط المخبريين و المراسلين الصحفيين وعطّل حركتهم في الحصول على الأخبار الجديدة.
إن تحسن الوضع الأمني سيعدل هذه الملاحظة و سييسر للمخبرين و المراسلين الصحفيين العراقيين في ميادين الأحداث، الفرصة في إنتاج أخبار أصيلة .
6- إنتشار الخبر المحرف على حساب الخبر الموضوعي في المواقع الصحفية الحزبية و المنحازة على أساس ديني مذهبي، فرغم أن الكثير من الأخبار المنشورة في هذه المواقع منقولة من وسائل إعلامية اخرى ، لكنها تتعرض الى إعتداءات تجعل منها أخبار محرفة ، مثل حذف بعض الوقائع لا بقصد الإختصار و إنما بقصد إخفاء هذه الوقائع عن القراء !
و إختلاق بعض الوقائع التي لم ترد بالفعل في الخبر عند نشره .
و تضمين الخبر رأياً أو وجهة نظر لهدف التأثير بهدف معين ، و بذلك يتعرض الخبر الى عملية تشويه متعمدة تفقده موضوعيته من ناحية و دقته من ناحية ثانية . بحيث يصل الخبر الى القارئ لا كما حدث بالفعل في الواقع و إنما كما تريده الصحيفة أن يصل الى القراء، وهوالأمر الذي من شأنه تضليل القراء و خلق رأي عام موجه في المجتمع . و هوالشيء الذي يمكن أن ينعكس أخيرا في فقد القارئ لثقته في الصحيفة وفي موقعها، و هو أكبر عقاب يمكن أن يوجه الى صحيفة تريد أن تحترم إسمها !
7- تميل معظم الشخصيات السياسية البارزة في العراق الجديد الى تزويد الصحف الأجنبية و العربية بالتصريحات على حساب الصحف المحلية ، مما يعرض الأخيرة الى شحة واضحة في الأخبار المبدعة الجديدة .
و قد يعود سبب إهتمام الشخصيات العراقية بالوسائل الإعلامية غير المحلية و ذلك لسعة إنتشارالإولى و ضخامة إنتاجها ، بقدر كاف لإغراء الشخصيات في حصاد التأثير والشهرة ، لكن إتباع هذا النهج سيؤثر سلبياً على الصحف المحلية و يعيق نموها و تطورها و إنتشارها .
8- تهتم الصحف الحزبية و المنحازة سياسياً بأخبار الشخصيات أكثر من إهتمامها بالأحداث ، في حين تهتم المواقع الصحفية المهنية بشكل متوازن بين أخبار الشخصيات و الأخبار المستمدة من الأحداث .
إن أهتمام المواقع الحزبية بأخبارالشخصيات، الغرض منه سرعة التأثير في أوساط القراء قليلي التعليم و الثقافة الذين يكونون في العادة شغوفون بمتابعة أخبار الشخصيات البارزة بدلاً من إشغال الفكر في تحليل الأحداث و تتبع تفاعلاتها ، كما يفعل القراء المثقفون و أصحاب التعليم العالي في العادة .
9- لا تشير الكثير من المواقع الصحفية الى مصادر الأخبار التي تنشرها مما يضعف مصداقيتها و يجعلها أقرب الى ترويج الإشاعات منها الى نشرالأخبارالصحفية ، ورغم أن الأخبار القليلة المصداقية من هذا النوع قد تلقى رواجاً في أوساط العراقيين في ظروف التوترالأمني و عدم إستتاب الأوضاع ، فهي في الواقع تمنح ( نجاحاً ) مزيفاً للصحف التي تروج هذه الأخبار \ الأشاعات ، و مع مرور الزمن و زيادة رقعة التنافس المتنامية بإضطراد فإن هذه الصحف سوف تفقد مصداقيتها لدى القارئ مما يؤدي بالتالي الى فشلها .
الأخراج الفني للمواقع

تنزع جميع المواقع الصحفية الإلكترونية العراقية الى إعتماد رموز عراقية مألوفة و متداولة بطوابعها المختلفة ، التاريخية و الجغرافية و التراثية و الفلكلورية ، و البيئية ، و السياسية .
و تبرزها في صور أو أشكال مختلفة ، تعبر عن هوية الموقع الوطنية و إنتماءه السياسي و الفكري و الديني و المذهبي و الحزبي .
بعض المواقع واكبت التطور المتجدد في الإخراج الفني وإستخدام التقنيات المستحدثة و البعض الأخر ما زال يعتمد الأشكال التقليدية و البدائية في العرض و الأخراج ، كل حسب إمكانياته المادية و حجم تمويله و كفاءة المشرفين على إدارته .
فأدخلت بعض المواقع تقنيات حديثة ، مثل شريط الأخبار ، و الصور المتغيرة ، و الفلاش ، و بعضها إستضاف تسجيلات فديو أو تسجيلات إذاعية ، واعتماد التفاعلية مع القراء فضلاً عن إستضافة مواقع أخرى صديقة .
و إستنادا الى نتائج مسح المواقع الصحفية الإلكترونية العراقية و رصد أستخدامها للتقنيات ، فقد لوحظ أن إستخدام المواقع للتقنيات الحديثة في العرض متفاوتة من حيث النوع و الكم ، و قد يعود ذلك الى حجم التمويل من جهة أو للمعرفة التقنية من عدمها لدى إدارة المواقع، بأهمية إستخدام هذه التقنيات لرفع مستوى التأثير في المتلقي و إيصال الخطاب بأقوى صوره .
أكثر التقنيات المستخدمة شيوعاً في المواقع العراقية هي "الصور" ، و يعود ذلك لسهولة إستخدامها و قوة تأثيرها في إيصال الخطاب الى المتلقي خاصة عندما يكون الجمهور المستهدف على الأغلب قليل التعليم أو أنه لا يحفل كثيراً بالموضوعات المكتوبة تبعاً لطبيعة التصفح على الإنترنت الذي أتاح خياراً واسعاً جداً للمتصفح ، مما أبعده الى حدما عن التركيز على الكلام المكتوب و إنصراف ذهنه الى الصور و الأشكال المرئية التي تكون في العادة أكثر جاذبية و تأثير من الكتابة ، و قديماً قيل إن للصوة المنشورة تأثير على القارئ أكثر من ألف كلمة مكتوبة .
يأتي إستخدام شريط الأخبار المتحرك بالدرجة الثانية في المواقع ، و هو يعبر عن مواكبة الموقع لآخر الأخبار و مستجداتها ، و التي تتطلب متابعة و تحديث مستمرين و المواقع تعمل في سوق منافسة قوي جدا على شبكة الإنترنت و بين وسائل الإعلام الأخرى خاصة القنوات الفضائية و الإذاعات ، التي تتسابق على نشر الأخبار الجديدة دوماً . قد يكتفي المتصفح لمواقع الشبكة اليوم في قراءة شريط الأخبار المتحرك ، فإن كان بقدر من الكفاءة و السعة و النضج و الدقة و السرعة في نقل و عرض الأخبار الجديدة سيكون عاملاً مؤثراً في كسب المتصفح لهذا الموقع و تفضيله على سواه .
إستخدام تقنية الفلاش في المواقع العراقية ما زالت شحيحة ، ربما يعود ذلك الى حداثة هذه التقنية في الإستخدام عموما ، و قد تعمد المواقع العراقية الى إستخدامها مع مرور الزمن و تراكم الخبرة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* مجتزأ من رسالة الماجستير للكاتب بعنوان ( المواقع الصحفية العراقية على شبكة الإنترنت حتى العام 2008)
ahmad_alsaleh58@yahoo.com

Thursday, October 1, 2009

الصحافة العراقية عند إسقاط صدام في 9 نيسان 2003 *





أحمد الصالح

لم تتغير الخطوط العامة للسياسة الإعلامية لنظام الحكم السابق في العراق، في أيامه الأخيرة ، و التي إنتهجها منذ تولي" صدام" مقادير البلاد عام 1979 ، فرغم الضغوط الكبيرة التي كان يعاني منها الشعب العراقي و الرعب الذي إجتاح البلاد من مجاهيل الحرب القادمة التي بدت نذرها تلوح في الأفق ، و لم تزل الذكريات المريرة لحرب تحرير الكويت و الحرب الإيرانية ماثلة في أذهان الناس ، في حين أستمرت وسائل إعلام النظام في إتباع سياسة التجهيل و إخفاء المعلومات و كيل الإتهامات للخصوم و التزلف و التطبيل لرأس النظام و الدعاء له بالعمر المديد و الإنتصار على أعداءه .
و كالعادة تصدر الإنتهازيون و المتملقون و الجهلة الصفوف و تولوا المناصب و سيطروا على المفاصل الرئيسية في ماكنة الإعلام الرسمي و غير الرسمي .
يقول الأديب العراقي المعروف "عبد الستار ناصر": (جاءني الصديق الصحفي هاشم حسن برزمة من صحف النظام وقال : إقرأ .. وكان ذلك قبل التحرير طبعاً، إذا بي أمام كارثة حقيقية عنوانها الصحافة في العراق، طباعة رثة، وإخراج متخلف، وحروف مثلومة وصور باهتة وقصائد مضحكة ومقالات يرثي لها، وفي أعلى كل صحيفة وصية عجفاء من وصايا القائد (المحنك!) .
ماذا تراني قرأت في كومة الصحف التي جاءت من بغداد؟ قرأت عن مأدبة إفطار أقامها المقاتل الكيمياوي علي حسن المجيد في ذكرى شهداء (النصر المبين!) ، وقيادة فرع (سيف القائد) تهدي سيفها ثانية إلي الرئيس بمناسبة التصدي للجيوش العالمية عام 1991 وجاءت الهدية من الرفيق (عكلة عبد صكر ) عضو قيادة قطر العراق، وقد وردت في كلمته وصف صدام بالمؤمن المجاهد، والجهبذ العبقري والمعلم الأول!!
الجرائد العراقية تنشر صورة صدام وهو (يصلّي) في كربلاء والنجف الأشرف وما من أحد يمكنه القول: إن صدام هو الذي أمر بضرب كربلاء والنجف الأشرف، ذلك أن الصحافة العراقية تصدر تحت لمعان السيف والخنجر والسكين وأمام رائحة البارود وحبال المشانق، وكل من يعمل في صحف النظام يحيا بروح تقول (كلا) ولسان محكوم بالرعب لا يكرر غير (نعم ) وإذا اخترع الإنسان جهازاً يقرأ الأفكار لما كان مصير الصحفيين تحت حكم النظام المقبور غير الموت وبتر الأصابع واللسان .(1)
إستمرت الصحف الحكومية اليومية وغيرالحكومية بالصدور حيث تتصدر صفحاتها الإولى يومياً صورة لصدام بغض النظر عن وجود خبر يتعلق بنشاطاته من عدمه و هذا سياق إعتمدته الصحافة العراقية منذ آب 1979 مما أفقد الصحف خاصية مهمة من خصائصها المهنية .
و الصحف هي :
(الثورة) وتصدر يوميا عن دار الثور للصحافة والنشر وهي ناطقة باسم حزب البعث الحاكم .
(الجمهورية) و تصدر عن دارالجماهير للصحافة والنشر وهي جريدة حكومية رسمية .
(العراق) وتصدرعن دارالعراق للصحافة والنشر وأوكل لها دورالنطق باسم الأحزاب الكردية الموالية للنظام التي لم يكن لها وجود أصلاً بعد فك التحالف (الكردي-البعثي) منذ السبعينات .
(القادسية) وهي جريدة يومية سياسية منوعة تصدر عن وزارة الدفاع و يرافقها مطبوع آخر بإسم القادسية الأسبوعي ـ يصدر كل يوم أحد .
و ( بغداد أوبزرفر ) و تصدر باللغة الإنكليزية عن دار الجماهير للصحافة .
و ( البعث الرياضي ) و تصدر عن اللجنة الأولمبية التي يشرف عليها عدي صدام .
و إستمرت مجلة (ألف باء) الأسبوعية بالصدور عن وزارة الثقافة والإعلام ، وهي مجلة عريقة سبق و أن صدرت في الستينات قبل إستلام البعث للسلطة لكن خطابها تغير بما يتماشى مع الخطاب الرسمي للنظام .
و مجلة ( مجلتي ) المعنية بالأطفال و الصادرة عن دار ثقافة أطفال في وزارة الثقافة والإعلام .
إلى جانب 24 صحيفة إسبوعية تصدرها النقابات والمنظمات المهنية والإتحادات الجماهيرية و ماتصدره المحافظات أيضاً التي كان يشرف عليها "عدي" منذ العام 1992 .
فلقد سبق لعدي الأبن الأكبر لصدام أن أقام إمبراطورية إعلامية منذ أواسط الثمانينات عندما أصدر جريدة (البعث الرياضي) في ذلك الوقت و تضخمت الى حد كبير في مطلع التسعينات عندما ضم جميع الإتحادات الجماهيرية والمنظمات المهنية ( نقابة الصحفيين وإتحاد الأدباء ونقابة الفنانين وجمعية المصورين وجمعية الشعراء الشعبيين ...الخ )، تحت مظلة (التجمع الثقافي) الذي ترأسه وأشرف عليه ومن خلالها أصدرعدد كبير من الصحف الإسبوعية التي يفترض بها أن تكون ناطقة بإسم تلك المنظمات لكنها في الحقيقة مشاريع تجارية يعود ريعها الوفير الى حساب " عدي " الشخصي ، و ذلك من خلال الإعلانات و الصفقات المريبة التي كان يبرمها عبر ممثليه المشرفين على هذه الصحف مع دوائر الدولة أو مع الشركات التجارية الخاصة ، و قد ظهرت أسماء كثيرة من وكلاء " عدي " في الوسط الإعلامي والذين كان لهم دور في عقد هذه الصفقات بتوكيل منه شخصياً .
حتى سقوط النظام إستمرت جريدة ( بابل) بالصدور اليومي وهي تصدر عن دار بابل للصحافة و النشر التي كان قد أسسها " عدي " بعد حرب الكويت في مطلع التسعينات و جهز لها موارد مادية و بشرية ضخمة بعد أن إستحوذ على إحدى مطابع و مباني ( دارالحرية ) الحكومية و أدرجها ضمن ممتلكاته الخاصة .
و من تلك الصحف التي تعود ملكيتها الى " عدي " شخصياً :
جريدة (نبض الشباب) والتي كان أول صدور لها بعد نجاة " عدي " من محاولة الإغتيال التي تعرض لها في العام 1996 حيث حاز " عدي " على لقب ( نبض الشباب!! ) ، و جريدة ( الزوراء ) و التي كانت تصدر عن نقابة الصحفيين، و جريدة ( ألوان) و مجلة ( الموعد ) وهما معنيتان بالنشاطات الفنية ، و جريدة ( الرأي ) والتي قدمت نفسها بخطاب إسلامي ينسجم مع توجه النظام في تلك المرحلة ، و جريدة (المصور ) و جريدة ( الإتحاد) و مجلة ( الرافدين ) الإسبوعية ، و مجلة ( المرأة ) و مجلة (صوت الطلبة )، و جريدة ( الزمن ) التي أريد لها أن تستقطب المثقفين العراقيين المهاجرين و الذين كانت مواقفهم معلنة و معروفة في معارضة النظام آنذاك .
يقول " وجيه عباس " : ( ما بعد عام 2001 كُنت أدير بشكل كامل صحيفة (الزمن) الأسبوعية وهي ثقافية منوعة، أراد لها عدي صدام حسين أن تسحب عيون القارئ العراقي عن صحيفة (الزمان) اللندنية التي يديرها "سعد البزاز"، والتي كانت بحق البضاعة السرية الأكثر تهريبا لسواق طريق النقل البري، رئة العراقيين الوحيدة إلى الخارج آنذاك، طريق بغداد - عمان، ومدار بحث المعنيين بالصحافة الأهم من عراقيي الداخل، عبر شبكة الإنترنيت حتى حجبها بشكل كامل من الشبكة العنكبوتية في منتصف العام 2002، بل حجبها عن الوزراء أنفسهم ). (2)
وإستمر تلفزيون العراق الرسمي ببث برامجه و إذاعة بغداد كذلك .
و كذلك إستمرت قناة العراق الفضائية التي كانت قد تأسست في أواسط التسعينات في بث برامجها اليومية المعتادة .
وإستمر تلفزيون الشباب و إذاعة الشباب بث برامجهما على مداراليوم ، وسبق للمحطتين أن أنشأهما " عدي " مطلع التسعينات بعد أن إستحوذ على ممتلكات القناة الثانية التلفزيونية الحكومية و إذاعة صوت الجماهير الحكومية أيضا وأدرجهما ضمن ممتلكاته الخاصة .
تهجم شنيع
من الأمور اللافتة في ذلك الوقت قيام جريدة (بابل) بالتعرض الى موضوع حساس جداً لم يجرؤ أحد ان يتناوله في العراق في جدل علني وفي صحافة رسمية .
فقامت الجريدة – التي يمتلكها عدي صدام حسين - بالتهجم على ( الطائفة الشيعية ) بشكل مباشر و صريح و طعنت بمعتقادتهم و طقوسهم متغافلة ان ( الشيعة ) في العراق يشكلون نسبة الأغلبية من السكان.
نعم ، لقد تعرضت جريدة (الثورة) الناطقة بإسم حزب البعث، في وقت سابق و في العام 1991 بعد القضاء على إنتفاضة الجنوب التي قامت بعد حرب الكويت و إنهيار الجيش و أنسحابه حينذاك .
لكن الكاتب في حينها حاول أن يبطن كلامه ولا يصرح بشكل علني أنه يستهدف ( شيعة العراق) حصراً في التهجم و التشنيع، اما ما جاءت به جريدة ( بابل ) في أُخريات أيام النظام قبل سقوطه فهو تهجم صريح و يعبرعن موقف النظام من أبناء شعبه وبطريقة إستفزازية لعلها تبرر لنا الكثير من المظاهر التي برزت بعد سقوط النظام .
( نشرت جريدة (بابل) مقالة تحت عنوان (طقوس عاشوراء عند الرافضة) في عددها الصادر في العاشر من نيسان (ابريل) الماضي. إن هذه المقالة الإستفزازية قميئة فعلاً بكل إدانة وإستنكار وهي إن دلت علي شيء فإنما تدل علي مستوي الخواء الفكري والسياسي لصحف النظام والناطقة باسم بعض رموزه.إن الفقرات النـزيرة التي نقلتها جريدة عراقية معارضة تصدر في لندن عن جريدة (بابل) تقطر في الحقيقة سماً طائفياً متخلفاً، هو الوجه الآخر للقطران الطائفي الذي راح يفوح ويفيض من البرامج والبيانات الطائفية من الجهة المقابلة والتي تريد وإن أنكرت ذلك علناً وتكتيكيا إقامة إتحاد للإمارات الطائفية المتذابحة في العراق.
ففي مقالته يذهب كاتب (بابل) الذي إمتشق لغة طائفية سقيمة سادت في عهد المماليك وما قبله من عصور الإنحطاط الحضاري التي أعقبت سقوط بغداد علي أيدي المغول وصعود نجم السلاجقة الترك فيستعمل كلمة (الرافضة) جمع (الرافضي).في النـزر اليسير الذي أقتبس عن تلك المقالة المفعمة بالسوء، نقرأ، أن الكاتب (البابلي) يشنع على أغلبية المجتمع العراقي من الطائفة الشيعية بأنهم (أبناء زنى لأنهم يبيحون العلاقات الجنسية المحرمة (وأن مزارات أئمة الشيعة - وهم جميعا من أحفاد النبي العربي الكريم كما يعلم القارئ -وعتباتهم المقدسة هي أماكن للاختلاط الجنسي بهدف التكاثر السكاني..) و(أن الشيعة أو الرافضة حين يبكون خلال طقوس عاشوراء فهم لا يبكون علي الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب وإنما يبكون مصيرهم ومصير أجدادهم الخونة الذين خانوا الله ورسوله والصحابة..) فهل ثمة تشنيع طائفي أكثر بذاءة وحقدا علي ملايين العراقيين من هذا؟) (3)

إختراق و إضطراب
و من الفعاليات المبتكرة لمعارضي نظام صدام آنذاك ان قامت احدى صحف المعارضة بطبع إحدى أعدادها بترويسة ومانشيت صحيفة (بابل) التي يصدرها عدي صدام وأرسلت خمسين ألف نسخة منها الى بغداد وتم توزيعها هناك ونفدت خلال ساعات حيث استبشر المواطنون عندما اكتشفوا أن عنوان الصحيفة (بابل) لكن موادها ضد نظام صدام ولما علمت أجهزة النظام بهذه الفعالية أعلنت حالة الطوارئ بين صفوفها ولكن بعد فوات الأوان ·
ليس هذا فحسب بل إن هناك مجاميع قصصية وشعرية معارضة لكتاب وشعراء عراقيين في داخل العراق أخذوا يطبعون مؤلفاتهم بشكل سري وبطريقة التصوير ويوزعونها على المواطنين وبعضها يرسل الى خارج العراق·
في أواخر أيام النظام و قعت أجهزته الأمنية و العسكرية في إرتباك و اضطراب كبيرين إنعكس بالتالي على أداء منتسبيها الذين أخذوا يبحثون عن ملاذ آمن لهم بعد أن تسربلت لهم القناعة أن النظام زائل لا محالة في الحرب القادمة ..
إن ما ورد في مذكرات الطبيب الشخصي لصدام وأسرته الدكتور الجراح "علاء بشير" و التي نشرها في كتاب بعنوان ( كنت طبيباً لصدام ) يشير بدقة الى التردي الكبير الذي وقع فيه النظام و رجاله .
يقول بشير : ( كانت مظاهر الإنهيار تطالعنا واضحة في كل مكان، ففي أماكن متزايدة من بغداد بدأت مياه الصرف الصحي في ملء الشوارع من الرصيف إلي الرصيف. كان الماء يصعد من الأرض ولا أحد يعرف من أين.
كان طفح مياه الصرف الصحي يحدث دائما بالطريقة نفسها فقد كان يصيب الحي تلو الآخر بالتناوب وعندما استقصيت هذه الظاهرة عرفت السبب: لقد أصاب جنون الفساد قطاع الصرف الصحي ببغداد أيضا. عندما تطفح مياه الصرف الصحي في مكان وتملأه كان الناس يذهبون للمهندس المسؤول في الإدارة المختصة، وهناك كان الفني المسؤول متواجد دائما وفي مقابل رشوة مناسبة يقوم بتحويل مياه الصرف الصحي إلي حي سكني آخر.. كانت هذه تجارة مربحة. لقد إمتد الفساد في كل المجتمع العراقي ولم يتوقف امتداده حتي في الوسط الأكاديمي فقد ازدادت الحالات التي يأخذ فيها المدرسون والأساتذة ــ الذين لم تعد الحكومة قادرة علي دفع رواتبهم ـ الرشاوي من تلاميذهم وطلابهم من أجل مساعدتهم علي إجتياز إختبارات القبول أو الإمتحانات. بدأت الجامعات والمعاهد العليا في العراق التي كانت تعمل علي مستوي عال وتبعاَ للنموذج الإنكليزي، بدأت مثلها مثل كل شيء في المجتمع العراقي في الإنهيار وقد ساهمت الطبقة الحاكمة في هذا الإنهيار، فقد ظهرت على كثير منهم فجأة عقد الإحساس بالنقص لأن الأعضاء الشباب في حزب البعث بدأوا في الترقي. وكان معظمهم من الحاصلين علي الشهادة الجامعية ودرجة الدكتوراه من جامعة بغداد. وكان معظم المقربين من صدام من الحاصلين علي شهادة إتمام التعليم الابتدائي أو الثانوي على الأكثر. )(4)و قد إنعكس هذا الإضطراب على الصحافة و وسائل الإعلام الرسمية و غير الرسمية التي لم تعد مقُنعة لمتلقيها العراقي و الذي أخذ يتخلى عنها تماماً و ينصرف لتلقي الأخبار و المعلومات من مصادر أخرى خاصة تلك المعارضة للنظام .
لقد كان رأس النظام و أفراد إسرته يعيشون في عالم آخر غير مشغولين بمصير الشعب و البلاد و غير مشغولين حتى بمصائرهم الشخصية لقناعتهم أنهم سينجون من الحرب القادمة كما نجوا و نجا نظامهم في حروب و أزمات سابقة .
ان ما ورد في مذكرات الدكتور الجراح "علاء بشير" ، يدل بوضوح على أنماط تفكير و سلوك بعض أفراد أسرة صدام قبل أيام من بدء العمليات العسكرية التي أطاحت بنظامه .
يقول الدكتور علاء :
( في السادس من كانون الثاني تم إلغاء العرض العسكري الذي يقام عادة في عيد الجيش. فقد اصبح من الواضح لكل مواطن عراقي عاقل أن العد التنازلي للحرب ضد أميركا وبريطانيا قد بدأ وأن العراق ليس لديه أي قدرة علي المقاومة. وبينما كان المفتشون يبحثون بلا جدوي عن أسلحة الدمار الشامل في العراق التي لم تكن بحوزة صدام، وبينما كانت التهديدات تنهال علينا من واشنطن ولندن، إذا ب " قصي " الأبن الأصغر لصدام يطلبني إلي بيته. فإبنته ذات الخمس عشر سنة لم تكن راضية عن أنفها، وطلبت مني الأسرة أن أعدله. فبينما تدق طبول الحرب علي مشارف العراق كانت عائلة صدام منشغلة بمثل هذه الأمور. وعلى أي حال فقد كانت عملية بسيطة، قد أجريتها آلاف المرات في مستشفي المنصور من قبل. وفي اليوم التالي طلبت إلي بيت" رغد" ابنة صدام زوجة "حسين كامل" فقد كانت ابنتها، حفيدة صدام ذات الستة عشر ربيعا، "حرير"، تريد تجميل أنفها هي الأخري. وكأنهم لم يكتفوا بذلك.. فقد اتصلت بي بعدها أخت زوجة قصي للسبب نفسه. وفي الخامس عشر من شباط كنت قد انتهيت من الثلاث عمليات. وقد لفت نظري أن عائلة صدام لم تكن تدرك ما ينتظرها وما تعنيه الحرب وما ستجلبه عليهم. لم يكن تقييمهم للأمور سليما كما ظهر لاحقا فيما بعد.
في الثالث عشر من شهر مارس قبل بدء الحرب بأسبوع أجريت آخر فحص علي مريضاتي الثلاث. ولفت نظري اختفاء جميع النجف والأثاث الإيطالي من بيت قصي في الجادرية وبدا البيت شبه خال. كان للموت رائحة في ذلك المكان. أما وطبان أخو برزان و صدام فقد أرسل لي قبلها بأيام داعرتين من صديقاته بصحبة أحد حراسه، أرادت أحداهما تصغير صدرها والثانية تعديل عظام الحوض حيث كانت فعلا كبيرة الحجم فأجبتهما أن الوقت غير مناسب تماماً لأن البلد يستعد لخوض الحرب. وغضبتا جداً عندما أرسلتهما دون تلبية رغبتهما. اتصل بي حارس وطبان بعدها بيوم قائلا: «إن رئيسي يسألك ماذا إذا كان من الممكن أن تساعد الفتاتين بالرغم من ذلك»؟ فأجبته: لآلقد وصلت حياة وطبان إلي هذا المستوي المتدني فلم يعد يشغله غير الخمر والراقصات والداعرات. وكان هذا هو وضع سبعاوي أيضا، الأخ الأكبر لبرزان.)(5)
بهذه الأجواء دخل العراق الحرب مع قوات التحالف الدولي فكان من الطبيعي أن يحصل الأنهيار الكبير الذي شهدناه لنظام صدام و بهذه السرعة ، و ذلك يفسر صمت أغلبية الشعب العراقي و عدم مقاومته للقوات الغازية و التي رفعت شعار التحرير للشعب من الدكتاتورية و الإستبداد .
و كانت الصحافة بإضطرابها و ترديها المريع في أخريات أيام النظام تعبر تعبيراً صادقا عن حال النظام و مدى ترديه و إرتباكه و ضعفه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جريدة الزمان اللندنية - بهدؤ رجاءاً - متي سنصدق ما جري؟ - عبد الستار ناصر- مايس 2003(2) وجيه عباس- صحفي عراقي- مقالة على النت
(3) جريدة ابن الرئيس والتهجم علي الطائفة الشيعية - إستفزازات ضد العراقيين جميعاً.. وليس طائفة بعينها - علاء اللاميجريدة (الزمان) العدد 1317 التاريخ 2002 - 9 – 20
(4) كنت طبيبا لصدام _ الدكتور علاء بشير الطبيب الشخصي لصدام حسين
(5) المصدر أعلاه.
* مجتزء من رسالة الماجستير للكاتب المعنونة ( المواقع الصحفية الإلكترونية العراقية على شبكة الإنترنت )
ahmad_alsaleh58@yahoo.com

الصحافة العراقية ما بعد التاسع من نيسان 2003 *

أحمد الصالح

مع إسقاط نظام صدام في التاسع من نيسان عام 2003 إبتدأ عهد جديد للصحافة العراقية شهدت فيها تحولات كبيرة ، ولعل كان أبرزها هو رفع جميع القيود التي كانت مفروضة عليها في ظل النظام السابق ، فظهرت أثر ذلك، العشرات من الصحف و المجلات اليومية و الأسبوعية، كما دخل البلاد، العشرات من المراسلين الأجانب لوكالات الأنباء و التلفزيون و الإذاعة و الصحف، وأصبح العراق ورشة عمل صحفي كبرى يحسب لها حساباً على المستوى العالمي بالنظر لجسامة الأحداث الجارية على ساحته ومدى إهتمام العالم بأجمعه بتلقي أخباره و متابعة تطورات العمليات العسكرية و السياسية الجارية فيه ، خاصة وان سلطات الحاكم المدني لقوات الأئتلاف الدولي في البداية ثم السلطات العراقية الوطنية فيما بعد، قد وفرت أجواء الحرية و فتحت الأبواب واسعة أمام الجميع لممارسة العمل الصحفي و النشر بكافة أشكاله و أنواعه ، إنسجاما مع إلتزامات رجال العهد الجديد بالنهج الديمقراطي وأعترافهم بحق الجمهور بالأتصال و تلقي المعلومات عبر وسائل الأعلام المتعددة، دون قيد أو شرط .
إلغاء وزارة الإعلام وإستحداث الهيئات المتخصصة
بعد ما يقرب من إسبوعين من الإطاحة بنظام صدام ، وفي 23/4/2003 أقدم الحاكم الأمريكي المدني لسلطة الإئتلاف "بول بريمر" على حل وزارة الإعلام العراقية ، والتي كانت جزأ ًمن المشهد السياسي العراقي لما قبل الحرب ، وتم تسريح كل موظفيها إسوة بوزارة الدفاع و المؤسسات القريبة من مركز القرار للنظام السابق، وإثر ذلك القرار تغير المشهد الإعلامي في العراق رأسا ًعلى عقب و قطع صلته بالكامل بما كان عليه قبل سقوط النظام ، فإنتقلت الفعالية الإعلامية من مرحلة الإعلام المُحتكر من قبل سلطة الحاكم المستبد والموجه بإتجاه واحد متمثلاً بعدة صحف وثلاث قنوات محلية وفضائية واحدة، إلى إعلام متحرر من كل القيود وغير منضبط على مستويي الكم والنوع ، فوجدت وسائل الإعلام العراقية نفسها فجأة في مواجهة وضع جديد لم يعشه العراق طيلة الـعقود الماضية كما لاتوجد تجربة مشابهه له من قبل، في الشرق الأوسط أو في العالم العربي . فبعد الرقابة الصارمة التي كان النظام السابق يمارسها في إدارته لمختلف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة والتي كانت أشبه بنوع من أنواع الدعاية والوصاية، أصبحت الساحة الإعلامية في العراق متاحة لكل مَن يريد أن يصدر جريدة أو يُنشئ إذاعة أو يؤسس قناة تلفزيونية من دون رقيب، وبالتالي أفرزت هذه الأوضاع عددًا من الظواهر تجسدت في البداية بشكل أو بآخر في حالة من الفوضى والإنفلات الإعلامي، و أبرزت عدداً هائلاً من الصحف والمنشورات أول الأمر، كإحدى معالم المشهد الاعلامي العراقي الجديد - لسهولة إنتاجها وتوزيعها- حتى تراوح عددها من 180 إلى 200 صحيفة يومية وأسبوعية، وأخرى نصف أسبوعية وشهرية، وكذلك صحف تصدر بين يوم وآخر، متباينة في التوجهات السياسية والأيديولوجية، والمذهبية و القومية، و كل منها تتبع الجهة الصادرة عنها، لتتوسع الأمور فيما بعد إلى عدد من الإذاعات و القنوات التلفزيونية المحلية العاملة على نطاق البلد أو على نطاق كل محافظة من محافظات البلاد.ولتنظيم هذه الحركة الإعلامية أصدر الحاكم المدني السابق للعراق "بول بريمر" قرارين الأول بتاريخ 20/3/2004 ويحمل رقم 65 وهو القرار المؤسس لـ"الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام"، أما القرار الثاني فهو الأمر رقم (66) بتاريخ 20/3/2004 والذي ينص على تأسيس "الهيئة العراقية العامة لخدمات البث والإرسال". وهذان القراران كانا يهدفان إلى توفير الهيكلية القانونية والإدارية لتفعيل أهداف ووظائف وآليات عمل الإعلام العراقي الجديد . فأصدرت "الهيئة الوطنية للاتصالات والإعلام" فيما بعد مجموعة من التوجيهات العامة حول قواعد ونظم التغطية الإعلامية، كما أصدرت "اللائحة المؤقتة لقواعد البث الإعلامي " بشقيه الحكومي والخاص. أما "الهيئة العراقية العامة لخدمات البث والإرسال" فهي الجهاز الحكومي الوحيد المؤهل لعمليات البث الإذاعي والتلفزيوني في العراق والتي تشرف على "شبكة الإعلام العراقي" التي تُعد اليوم أكبر مؤسسة إعلامية عراقية ممولة من قبل الدولة وتضم عدد من القنوات التلفزيونية و الإذاعية المتخصصة و عدد من الصحف و المجلات و أستقبلت عدد كبيراً من موظفي وزارة الإعلام و مؤسساتها المنحلة السابقة فضلاً عن أشغالها لعدد من مباني و منافع الوزارة المنحلة.وقد ولدت فكرة إنشاء هيئة الإتصالات والإعلام خلال مؤتمر دولي عقد في العاصمة اليونانية أثينا في حزيران 2003، فقد إعتمد ذلك المؤتمر إطاراً وثائقياً لإصلاح الاعلام العراقي عُرف لاحقاً بـ "إطار أثينا" والذي شكل الأساس لقانون إنشاء الهيئة بعد تشاور الحاكم الاميركي المدني " بول بريمر" مع مجلس الحكم العراقي وإختصاصيين عراقيين في قطاعي الإعلام والإتصالات.و أُنيطت بالهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام المهام التالية :- تنظيم البث وشبكة الإتصالات العامة والخدمات، ويشمل التراخيص والتسعير والربط الداخلي. - وتحديد الشروط الأساسية لتوفير الخدمات العامة وخدمات الإتصالات الدولية. - و تخطيط وتنسيق وتوزيع وتحديد إستعمال ذبذبات البث، وتنظيم مضامين الإعلام. - وتطوير آليات الصحافة المطبوعة، ووضع وتطوير وتعزيز قواعد الإعلام الخاص بالإنتخابات، - ودعم وتشجيع التأهيل المهني، وإعتماد توجيهات السلوك المهني على مواضيع الإعلام، - وتطوير ونشر سياسات إتصالاتية وإعلامية، وإقتراح القوانين على الحكومة والجهات المعنية في هذا الشأن.
يتشكل المجتمع الإعلامي العراقي في الوقت الحالي من أكثر من 200 جريدة ومجلة بين يومية وإسبوعية وشهرية وغيرها. وما يقارب 50 قناة تلفزيونية بين فضائية وأرضية وأذاعية ، تتوزع على لغات البلد الرئيسية (العربية، الكردية، التركمانية والسريانية ). مثلما تتوزع على ألوان الطيف العراقي الأثني والديني، كما تتوزع على أراضي محافظاته، حيث توجد قناة تلفزيونية أرضية واحدة على الأقل لكل محافظة. كما لا يمكن أن نتجاهل الإعلام الإلكتروني، حيث توجد مئات المواقع الإعلامية العراقية الشخصية أوالمؤسساتية على شبكة الإنترنت.
إتجاهات متنوعة
تنوعت إتجاهات التحرير الصحفي في صحف ومجلات العهد الجديد ، بحيث إتصفت كل صحيفة بخصائص تميزها عن غيرها، فظهرت صحف خبرية وصحف الرأي وصحف الإنترنيت التي تستقي كل مادتها الإخبارية والثقافية من الإنترنيت ماعدا المقال الإفتتاحي، وظهرت صحف تعيش في الماضي بإجترار الذكريات الصحفية والسياسية في القرن العشرين، مع ظهور صحف شبابية وأخرى هزلية وصحف فضائح سياسية وصحف الإعلانات وكان صدورالكثيرمن الصحف متذبذباً، بحيث توقفت الكثير من الصحف عن الصدور بعد فترة زمنية قصيرة . وركزت بعض الصحف على الخدمات البلدية والكهربائية والنفطية والإتصالاتية والمالية التي تقدمها الحكومة للشعب بالنقد ومتابعة آخرالآخبار… وهناك صحف أخرى دخلت في معركة جدل الهويات، وفي مدى أحقية ومظلومية كل حزب أو طائفة أو قومية وطلب التعويض على حساب الفئات الأخرى، مما أدى الى تفتيت الهوية الوطنية وماتبعه من تعدد الولاءات بتعدد الهويات الطائفية والقومية والحزبية. إن هذا الجدل العقيم قد كان سبباً في صراعات وصدامات مسلحة، ذهب ضحيتها آلاف الأبرياء في ظل غياب الولاء الوطني الحقيقي.. ومازالتً التجربة اللبنانية في ثمانينات القرن الماضي ماثلة في أذهان العراقيين، ودور المليشيات في الحرب الأهلية آنذاك، وما رافقها من مآسي والتي إنتهت بالشعب اللبناني الى حـالة اللا دولة و لعله يعاني من نتائج تلك الأحداث الى اليوم ، وعلى الدوام كان العراقيون المعتدلون يذكّرون الفرقاء بمآسي التجربة اللبنانية ، لعلهم يعقلون و يتافدونها في أدائهم السياسي على الساحة العراقية.
وجه آخر
و مع هذا التعدد و التنوع الكبيرين في الصحافة بعد سقوط نظام صدام ، لكن بالمقابل فإن هناك وجه آخر للعمل الصحفي في العراق في العهد الجديد تمثل في التهديدات والتحديات التي واجهها العاملون في هذا الميدان، مما جعل ممارسة العمل الصحفي في العراق من أخطر الأعمال على حياة العاملين في عالم اليوم .
إذ لم يشهد العالم بأسره وعلى الرغم من كل الحروب والكوارث التي عصفت بالعديد من الدول ما شهده العراق من إستهداف للصحفيين ، يتمثل تارة بالإغتيالات التي تتم بسرعة وعن بعد, وتارة أخرى بالقتل الوحشي الذي ينفذ بعد نصب الكمائن وخطف الضحايا تحت تهديد السلاح. ومما يزيد من فرص الخطورة وتعقيد العمل الصحفي في العراق أيضا ما يتعرض اليه العاملون في الصحافة من ملاحقة وإعتقالات ومقاضاة بدعاوى كيدية وعلى نحو متواتر يثير القلق. الأمرالذي ينعكس سلباً بالتأكيد على حرية الرأي والتعبير وعلى إنسيابية حركة الإعلام والصحافة وبما يجعل حريةالصحافة في العراق تمضي صوب منزلق خطير.(1) تقول نقابة الصحفيين العراقيين، إن أكثر من 270 صحفياً وإعلامياً قد قتلوا في العراق على مدى خمس سنوات منذ سقوط النظام السابق حتى العام 2008.نعم لقد قام العهد الجديد برفع كل القيود التي كانت مفروضة على الصحافة العراقية، لكنه من جانب آخر ترك الباب مفتوحأ ولم يضع ضوابطً أو شروطاً مهنية واضحة المعالم لممارسة العمل الصحفي أو لإصدار الصحف والمجلات أوإقامة محطات تلفزيونية أو إذاعية، الأمر الذي أدى الى فوضى إعلامية كبيرة في العراق أسفرت عن أصدار عشرات الصحف من قبل أشخاص بعيدين كل البعد عن مهنة الصحافة، مما شكل إنتكاسة مهنية في تاريخ الصحافة العراقية .فمن حيث عدد وسائل الإعلام خلال السنوات ما بعد 2003 فان العراق إحتل المركز الأول على المستوى العربي، لكن من حيث المهنية والنوعية فأنه يحتل مركزاً متأخراً لعدم وجود ضوابط، ما دام كل شخص يمتلك المال يستطيع أن يصدر صحيفة.تفتخر القيادة العراقية الجديدة بأنها رفعت القيود عن الصحافة، حيث قال الرئيس العراقي "جلال طالباني" في بيان أصدره بمناسبة الذكرى الخامسة لأسقاط نظام صدام و قيام العراق الجديد: "أُطلقت حريات العمل السياسي والحزبي والنقابي، وشُرعت الأبواب أمام الإعلام الحر فصدرت مئات المطبوعات وتأسست عشرات القنوات التلفزيونية والإذاعية، مما أنهى عهد الرأي الواحد المفروض قسراً".يُذكر أن منظمة مراسلون بلا حدود وضعت العراق فى عام 2007 في الترتيب رقم 157 في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي تصدره المنظمة كل عام، متراجعاً ثلاث درجات عن العام الذى قبله، ليكون في المرتبة قبل الأخيرة بين الدول العربية، متقدما على فلسطين بدرجة واحدة.وأشارت المنظمة في تقريرها إلى أن الصحفيين في العراق "يخشون بالدرجة الأولى الجماعات المسلحة التي تستهدفهم، في الوقت الذي لم تجد فيه السلطات أي سبيل لوضع حد لحوادث إستهداف الصحفيين". (2)
موجة جديدة من الصحفيين المهاجرين
كما تعرفنا في فصل سابق على ظاهرة هجرة عدد كبير من الصحفيين و المثقفين العراقيين الى خارج البلاد بسبب خشيتهم من ملاحقات و إجراءات النظام السابق القسرية والقمعية، على مدى عقود حكمه الثلاثة و نّيف ، والتي كانت تهدد حياتهم و حياة أُسرهم و مصدر رزقهم ، فلم يهنئ الصحفيون في العهد الجديد طويلاً في العمل الحر في بلادهم ، إذ بعد أن إستبشروا خيراً به خاب أملهم في الإستمرار في العمل داخل البلاد بالنسبة الى كثير منهم إثر تعرضهم لمخاطر عديدة هددت حياتهم و مصادر رزقهم. و إذا كان الصحفيون في السابق يتعرضون الى مخاطر محددة من قبل أجهزة النظام القمعية، فالمخاطر في العهد الجديد متعددة المصادر و مختلفة الأنواع والأشكال، إذ قد تكون تهديداً مباشراً من بعض المتنفذين في العهد الجديد أولئك المتعصبين حزبياً أو مذهبياً ، أو من العصابات و الميليشيات التي وجدت لها مرتعاً خصباً في ظل غياب الدولة القوية و ضعف أجهزتها الأمنية ، أو من خلال المصادمات العسكرية المستمرة ، أو من خلال العمليات الإرهابية التي تستهدف المدنيين مثل التفجيرات و الإختطافات و الإغتيالات التي كان للصحفيين حصة كبيرة منها ..ألخ ،
كل هذه العوامل أدت الى هجرة موجة جديدة من الصحفيين الى خارج البلاد للنجاة بحياتهم و بحياة أُسرهم ، أو للبحث عن فرصة للرزق و العيش بأمان في بلدان المنافي و الشتات . أشار تقرير لمنظمة " مراسلون بلا حدود " الى عدد كبير من الصحفيين الذين يعيشون خارج البلاد بقوله: "يعيش هؤلاء الصحفيون في مأمن إثر نجاتهم من الجحيم العراقي لا سيما أن هذه الدولة تعد الأكثر دموية في العالم بالنسبة إلى المحترفين في القطاع الإعلامي ولكن الإبتعاد عن الوطن لا يعني نهاية مشاكلهم، فمعظم هؤلاء عاطلون عن العمل".وأضاف التقرير أن المحترفين يتعرضون في القطاع الإعلامي للإختطاف على يد جماعات تسيرها الأسباب السياسية أو جني الأرباح.وقد أحصت مراسلون بلا حدود 87 عملية إختطاف لصحفيين منذ بداية النزاع في العراق، وفي هذا السياق، لا يزال 15 إعلاميا محتجزين كرهائن في العراق. وأضافت المنظمة في تقريرها، أنه بالرغم من دعوة السلطات العراقية لإحترام حرية الصحافة " فإن التدابيرالأخيرة التي إتخذتها الحكومة تترجم عجزها " مذكرة بأن وزارة الداخلية إقترحت في شباط 2008 " منح الصحافيين تراخيص لحمل أسلحة "، وبحسب المنظمة ومقرها باريس، فقد قتل 210 صحافيين وعاملين في مجال الصحافة منذ اذار/مارس 2003 وخطف 87 آخرين. واذا كان المراسلون الأجانب أول المستهدفين في المرحلة الأولى من الحرب فقد بات الصحافيون العراقيون اليوم هم المستهدفون، وأن في هذه الظروف غالباً ما يختارالصحافيون العراقيون المنفى " حفاظاً على سلامتهم " ويقرر البعض " الرحيل بعد التعرض لمحاولة أغتيال أو خطف " في حين يرحل آخرون " بمجرد تلقي تهديدات " . وبحسب المنظمة فأن " هناك 200 صحافي وموظف في وسائل الاعلام العراقية في الأردن " في حين " يصعب الحصول على أرقام دقيقة " من سوريا. كما لجأ " عشرات " الصحافيين العراقيين الى أوروبا حيث ساعدت المنظمة حوالى ثلاثين صحافياً خصوصاً في فرنسا.
وتشير المنظمة الى أن الصحافيين العراقيين في المنفى غالبا ما يعيشون في ظروف صعبة وأن عدداً منهم أضطر الى التخلي عن مهنة الصحافة. وخلصت الى القول إن عودتهم الى العراق " غير واردة حاليا لأن المجموعات المسلحة لا تزال ناشطة في البلاد " .(3) و لعل حادثة إغتيال نقيب الصحفيين العراقيين " شهاب التميمي " آذار 2008 من قبل أفراد مجهولين ، تؤشر الى حد بعيد حجم الخطر الذي يتهدد الصحفيين في العراق اليوم ، مما دفع السلطات المحلية الى التفكير جدياً للبحث عن وسائل ناجعة لحماية الصحفيين .
فقد قامت وزارة الداخلية، أثر ذلك بفتح 43 ملفاً يتعلق بإستهداف الصحفيين وملاحقة الجماعات التي تستهدف عموم الاعلاميين العراقيين. و مما يشار له في هذا الصدد وعلى سبيل (الكوميديا السوداء) ، أن محافظ النجف " أسعد أبو كلل " قد قرر أنشاء (مقبرة خاصة) للصحفيين في مقبرة وادي السلام في النجف ، مما شكل صدمة كبيرة للصحفيين و الأعلاميين العراقيين ، حيث وصفوا هذا القرار بنذير شؤم لهم ، و أشار بعضهم الى أن بعض القوى السياسية في العراق الجديد تحاول دوما أشاعة ثقافة الموت حتى على سبيل الإحسان !!
و أعتبر البعض الآخر هذا القرار بمثابة " دعوة لموت الصحفيين " !!(4)
تشريعات جديدة للإعلام
يعتبر العراق واحدًا من أفضل دول الشرق الأوسط و الدول العربية في قوانينه الإعلامية التي أطلقت العنان للصحافيين في التعبير عن آرائهم وإنشاء مؤسساتهم الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية التي كفل الدستور العراقي حريتها في التعبير حيث نصت المادة 36 من الدستور العراقي لسنة 2005 ضمن الفصل الثاني تحت عنوان الحريات على ما يلي:
تكفل الدولة وبما لا يخل بالنظام العام والآداب:
أولا- حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل.
ثانياً- حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر.
ثالثاً- حرية الاجتماع والتظاهرالسلمي وتنظم بقانون. كما نصت المادة (45) من الدستور " لا يكون تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور أو تحديدها إلا بقانون أو بناءاً عليه، على ألا يمس ذلك التحديد والتقييد جوهر الحق أو الحرية.
كما أقدم مجلس النواب العراقي في نيسان من العام 2008 على مناقشة تشريع قانون لحماية الصحفيين العراقيين- لم يصدر حتى اليوم- تأكيداً لأحكام الدستور الخاصة بحرية الصحافة .
ينص مشروع القانون الجديد على أن " أي إعتداء على الصحفي أثناء تأدية مهامه الصحفية بمثابة إعتداء على موظف حكومي أثناء تأديه واجباته الرسمية ويعاقب المعتدي بالعقوبة المقررة قانوناً على الموظف الحكومي ".
ويؤكد مشروع القانون على أنه لا يعتقل الصحفي أو يلقى القبض عليه بسبب عمله الصحفي إلا عن طريق القضاء وبعد إعلام نقابة الصحفيين العراقيين وحضور ممثلها في التحقيق ." و يتيح هذا القانون للصحفي حق الحصول على المعلومات التي تحتفظ بها الدوائر الحكومية والهيئات العامة لنقلها الى الجمهور ولايحق لتلك الجهات رفض طلبات الحصول على المعلومات إلا في حالة كان الإفصاح عنها سيلحق ضرراً كبيراً باحدى المصالح الوطنية بشكل أكبر من الضرر الحاصل في حالة عدم نشر تلك المعلومات وحجبها عن الجمهور ."
و أتاح مشروع القانون " للصحفي الحق في عدم الأفصاح عن مصادر معلوماته مالم يكن ذلك ضروياً لمنع وقوع جريمة أو كشف فاعليها على أن يصدر ذلك بقرار من المحكمة المختصة بالحادث ولايجوز إقامة الدعاوى للمطالبة بالتعويض بعد ثلاثة أشهر من تاريخ النشر ." و شدد مشروع القانون على أنه لايجوز مصادرة أدوات عمل الصحفي إلا بإذن من المحكمة ، وأن يكون ذلك ضروريا لمنع وقوع جريمة او التحقيق فيها . وتتكفل الدولة بإنشاء قوة فعالة لحماية الصحفيين ووسائل الاعلام والتحقيق في الجرائم التي تطالهم و على الأجهزة الأمنية إجراء تحقيقات فورية في حالة تعرض أي صحفي لأي نوع من التهديد أو الأذى وأن تبذل الجهود لمعاقبة الجناة ." و أجاز مشروع القانون للصحفيين أداء عملهم دون تدخل من قبل القوات الأمنية مالم يكن هناك مسوغ شرعي . كما أوجب على الدولة التكفل برعاية عوائل شهداء الصحافة بتخصيص راتب تقاعدي لهم . وتكفل أيضاً بتخصيص راتب للصحفيين الذين يتعرضون الى الإعاقة بسبب عملهم اذا كان العجز أكثر من خمسين بالمائة . و تكفل بالرعاية الصحية للصحفيين وتتكفل بعلاجهم على نفقتها داخل وخارج البلاد اذا كانت الإصابة أو الإعاقة بسبب العمل الصحفي . و يلزم مشروع القانون رؤساء المؤسسات الإعلامية المحلية والأجنبية العاملة في العراق إبرام عقود عمل مع الصحفيين العاملين بتلك المؤسسات وفق نموذج معد من قبل نقابة الصحفيين العراقيين يضمن حقوق المؤسسة والمنتسب فيها ويتم إيداع نسخة من العقد لدى النقابة .
و يؤكد على عدم جواز فصل الصحفي من عمله إلا بعد إخبار نقابة الصحفيين بمبررات الفصل فإذا إستنفذت النقابة مرحلة التوفيق بين الصحفي ومؤسسته تطبق الأحكام الواردة في قانون العمل عند إنتهاء تعاقده .
ويؤكد على حق الصحفي حضور المؤتمرات وكذلك الجلسات والإجتماعات العامة في سبيل تأدية عمله المهني. و يشيرالى أن الصحفيين لاسلطات عليهم في أداء عملهم غير القانون .
من الجدير بالذكر أن مشروع القانون الجديد عرّف الصحفي بأنه: الذي يعمل في الصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية ومنتمي الى نقابة الصحفيين العراقيين، كما ألغى هذا المشروع قانون المطبوعات رقم 206 لسنة 1968 بكافة تعديلاته .(5)
و من الإنتقادات التي وجهت لمشروع القانون الجديد أنه عرّف الصحفي بالمنتمي لنقابة الصحفيين العراقيين فقط ، علماً أن هناك تنظيمات نقابية و مهنية عديدة تضم عدداً من الصحفيين غير (نقابة الصحفيين) والتي يتهمها منتقدوها بإن هناك تيار سياسي معين قد سيطر على هيكليتها و فعالياتها تبعاً لظروف البلاد المعروفة.
أكد "هادي جلو مرعي" نائب مدير مرصد الحريات الصحفية في العراق : " إن من صاغوا مشروع القانون يحملون عقليات تفكر بإسلوب النظام السابق، وإنهم لم يستوعبوا عمق التغييرالذي حدث في العراق منذ سنة 2003، حسب تعبيره. ووصف "مرعي" النقابات والإتحادات الصحافية بالقيد الذي يحد من حرية الصحافيين".
و تعالت دعوات في مجلس النواب و من قبل عدد من العاملين في ميدان الإعلام، الى إعادة النظر بمشروع القانون و إجراء التعديلات عليه لكي لا يتأطر بظروف المرحلة الآنية ، بل يسري على السنوات القادمة و يتطلع الى المستقبل.(6)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)التقرير السنوى للجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحفيين بالتعاون مع برنامج دعم الاعلام العراقي المستقل ( داعم ) عن انتهاكات حرية الصحافة والتعبير في العراق لعام 2007
(2)جريدة الشرق الأوسط\ عن وكالة شينخوا\ 21\3\ 2008 \واقع الصحافة في العراق بعد 5 سنوات على الحرب.
(3)وكالة الصحافة الفرنسية (4)شبكة النبأ للمعلوماتية على النت
(5) المركزالاعلامي للبلاغ \ على النت في 29/04/2008م
(6)راديو سوا
* مبحث مجتزأ من رسالة الماجستير في الصحافة للكاتب بعنوان ( المواقع الصحفية العراقية على شبكة الإنترنت ).
ahmad_alsaleh58@yahoo.com