Thursday, October 1, 2009

الصحافة العراقية عند إسقاط صدام في 9 نيسان 2003 *





أحمد الصالح

لم تتغير الخطوط العامة للسياسة الإعلامية لنظام الحكم السابق في العراق، في أيامه الأخيرة ، و التي إنتهجها منذ تولي" صدام" مقادير البلاد عام 1979 ، فرغم الضغوط الكبيرة التي كان يعاني منها الشعب العراقي و الرعب الذي إجتاح البلاد من مجاهيل الحرب القادمة التي بدت نذرها تلوح في الأفق ، و لم تزل الذكريات المريرة لحرب تحرير الكويت و الحرب الإيرانية ماثلة في أذهان الناس ، في حين أستمرت وسائل إعلام النظام في إتباع سياسة التجهيل و إخفاء المعلومات و كيل الإتهامات للخصوم و التزلف و التطبيل لرأس النظام و الدعاء له بالعمر المديد و الإنتصار على أعداءه .
و كالعادة تصدر الإنتهازيون و المتملقون و الجهلة الصفوف و تولوا المناصب و سيطروا على المفاصل الرئيسية في ماكنة الإعلام الرسمي و غير الرسمي .
يقول الأديب العراقي المعروف "عبد الستار ناصر": (جاءني الصديق الصحفي هاشم حسن برزمة من صحف النظام وقال : إقرأ .. وكان ذلك قبل التحرير طبعاً، إذا بي أمام كارثة حقيقية عنوانها الصحافة في العراق، طباعة رثة، وإخراج متخلف، وحروف مثلومة وصور باهتة وقصائد مضحكة ومقالات يرثي لها، وفي أعلى كل صحيفة وصية عجفاء من وصايا القائد (المحنك!) .
ماذا تراني قرأت في كومة الصحف التي جاءت من بغداد؟ قرأت عن مأدبة إفطار أقامها المقاتل الكيمياوي علي حسن المجيد في ذكرى شهداء (النصر المبين!) ، وقيادة فرع (سيف القائد) تهدي سيفها ثانية إلي الرئيس بمناسبة التصدي للجيوش العالمية عام 1991 وجاءت الهدية من الرفيق (عكلة عبد صكر ) عضو قيادة قطر العراق، وقد وردت في كلمته وصف صدام بالمؤمن المجاهد، والجهبذ العبقري والمعلم الأول!!
الجرائد العراقية تنشر صورة صدام وهو (يصلّي) في كربلاء والنجف الأشرف وما من أحد يمكنه القول: إن صدام هو الذي أمر بضرب كربلاء والنجف الأشرف، ذلك أن الصحافة العراقية تصدر تحت لمعان السيف والخنجر والسكين وأمام رائحة البارود وحبال المشانق، وكل من يعمل في صحف النظام يحيا بروح تقول (كلا) ولسان محكوم بالرعب لا يكرر غير (نعم ) وإذا اخترع الإنسان جهازاً يقرأ الأفكار لما كان مصير الصحفيين تحت حكم النظام المقبور غير الموت وبتر الأصابع واللسان .(1)
إستمرت الصحف الحكومية اليومية وغيرالحكومية بالصدور حيث تتصدر صفحاتها الإولى يومياً صورة لصدام بغض النظر عن وجود خبر يتعلق بنشاطاته من عدمه و هذا سياق إعتمدته الصحافة العراقية منذ آب 1979 مما أفقد الصحف خاصية مهمة من خصائصها المهنية .
و الصحف هي :
(الثورة) وتصدر يوميا عن دار الثور للصحافة والنشر وهي ناطقة باسم حزب البعث الحاكم .
(الجمهورية) و تصدر عن دارالجماهير للصحافة والنشر وهي جريدة حكومية رسمية .
(العراق) وتصدرعن دارالعراق للصحافة والنشر وأوكل لها دورالنطق باسم الأحزاب الكردية الموالية للنظام التي لم يكن لها وجود أصلاً بعد فك التحالف (الكردي-البعثي) منذ السبعينات .
(القادسية) وهي جريدة يومية سياسية منوعة تصدر عن وزارة الدفاع و يرافقها مطبوع آخر بإسم القادسية الأسبوعي ـ يصدر كل يوم أحد .
و ( بغداد أوبزرفر ) و تصدر باللغة الإنكليزية عن دار الجماهير للصحافة .
و ( البعث الرياضي ) و تصدر عن اللجنة الأولمبية التي يشرف عليها عدي صدام .
و إستمرت مجلة (ألف باء) الأسبوعية بالصدور عن وزارة الثقافة والإعلام ، وهي مجلة عريقة سبق و أن صدرت في الستينات قبل إستلام البعث للسلطة لكن خطابها تغير بما يتماشى مع الخطاب الرسمي للنظام .
و مجلة ( مجلتي ) المعنية بالأطفال و الصادرة عن دار ثقافة أطفال في وزارة الثقافة والإعلام .
إلى جانب 24 صحيفة إسبوعية تصدرها النقابات والمنظمات المهنية والإتحادات الجماهيرية و ماتصدره المحافظات أيضاً التي كان يشرف عليها "عدي" منذ العام 1992 .
فلقد سبق لعدي الأبن الأكبر لصدام أن أقام إمبراطورية إعلامية منذ أواسط الثمانينات عندما أصدر جريدة (البعث الرياضي) في ذلك الوقت و تضخمت الى حد كبير في مطلع التسعينات عندما ضم جميع الإتحادات الجماهيرية والمنظمات المهنية ( نقابة الصحفيين وإتحاد الأدباء ونقابة الفنانين وجمعية المصورين وجمعية الشعراء الشعبيين ...الخ )، تحت مظلة (التجمع الثقافي) الذي ترأسه وأشرف عليه ومن خلالها أصدرعدد كبير من الصحف الإسبوعية التي يفترض بها أن تكون ناطقة بإسم تلك المنظمات لكنها في الحقيقة مشاريع تجارية يعود ريعها الوفير الى حساب " عدي " الشخصي ، و ذلك من خلال الإعلانات و الصفقات المريبة التي كان يبرمها عبر ممثليه المشرفين على هذه الصحف مع دوائر الدولة أو مع الشركات التجارية الخاصة ، و قد ظهرت أسماء كثيرة من وكلاء " عدي " في الوسط الإعلامي والذين كان لهم دور في عقد هذه الصفقات بتوكيل منه شخصياً .
حتى سقوط النظام إستمرت جريدة ( بابل) بالصدور اليومي وهي تصدر عن دار بابل للصحافة و النشر التي كان قد أسسها " عدي " بعد حرب الكويت في مطلع التسعينات و جهز لها موارد مادية و بشرية ضخمة بعد أن إستحوذ على إحدى مطابع و مباني ( دارالحرية ) الحكومية و أدرجها ضمن ممتلكاته الخاصة .
و من تلك الصحف التي تعود ملكيتها الى " عدي " شخصياً :
جريدة (نبض الشباب) والتي كان أول صدور لها بعد نجاة " عدي " من محاولة الإغتيال التي تعرض لها في العام 1996 حيث حاز " عدي " على لقب ( نبض الشباب!! ) ، و جريدة ( الزوراء ) و التي كانت تصدر عن نقابة الصحفيين، و جريدة ( ألوان) و مجلة ( الموعد ) وهما معنيتان بالنشاطات الفنية ، و جريدة ( الرأي ) والتي قدمت نفسها بخطاب إسلامي ينسجم مع توجه النظام في تلك المرحلة ، و جريدة (المصور ) و جريدة ( الإتحاد) و مجلة ( الرافدين ) الإسبوعية ، و مجلة ( المرأة ) و مجلة (صوت الطلبة )، و جريدة ( الزمن ) التي أريد لها أن تستقطب المثقفين العراقيين المهاجرين و الذين كانت مواقفهم معلنة و معروفة في معارضة النظام آنذاك .
يقول " وجيه عباس " : ( ما بعد عام 2001 كُنت أدير بشكل كامل صحيفة (الزمن) الأسبوعية وهي ثقافية منوعة، أراد لها عدي صدام حسين أن تسحب عيون القارئ العراقي عن صحيفة (الزمان) اللندنية التي يديرها "سعد البزاز"، والتي كانت بحق البضاعة السرية الأكثر تهريبا لسواق طريق النقل البري، رئة العراقيين الوحيدة إلى الخارج آنذاك، طريق بغداد - عمان، ومدار بحث المعنيين بالصحافة الأهم من عراقيي الداخل، عبر شبكة الإنترنيت حتى حجبها بشكل كامل من الشبكة العنكبوتية في منتصف العام 2002، بل حجبها عن الوزراء أنفسهم ). (2)
وإستمر تلفزيون العراق الرسمي ببث برامجه و إذاعة بغداد كذلك .
و كذلك إستمرت قناة العراق الفضائية التي كانت قد تأسست في أواسط التسعينات في بث برامجها اليومية المعتادة .
وإستمر تلفزيون الشباب و إذاعة الشباب بث برامجهما على مداراليوم ، وسبق للمحطتين أن أنشأهما " عدي " مطلع التسعينات بعد أن إستحوذ على ممتلكات القناة الثانية التلفزيونية الحكومية و إذاعة صوت الجماهير الحكومية أيضا وأدرجهما ضمن ممتلكاته الخاصة .
تهجم شنيع
من الأمور اللافتة في ذلك الوقت قيام جريدة (بابل) بالتعرض الى موضوع حساس جداً لم يجرؤ أحد ان يتناوله في العراق في جدل علني وفي صحافة رسمية .
فقامت الجريدة – التي يمتلكها عدي صدام حسين - بالتهجم على ( الطائفة الشيعية ) بشكل مباشر و صريح و طعنت بمعتقادتهم و طقوسهم متغافلة ان ( الشيعة ) في العراق يشكلون نسبة الأغلبية من السكان.
نعم ، لقد تعرضت جريدة (الثورة) الناطقة بإسم حزب البعث، في وقت سابق و في العام 1991 بعد القضاء على إنتفاضة الجنوب التي قامت بعد حرب الكويت و إنهيار الجيش و أنسحابه حينذاك .
لكن الكاتب في حينها حاول أن يبطن كلامه ولا يصرح بشكل علني أنه يستهدف ( شيعة العراق) حصراً في التهجم و التشنيع، اما ما جاءت به جريدة ( بابل ) في أُخريات أيام النظام قبل سقوطه فهو تهجم صريح و يعبرعن موقف النظام من أبناء شعبه وبطريقة إستفزازية لعلها تبرر لنا الكثير من المظاهر التي برزت بعد سقوط النظام .
( نشرت جريدة (بابل) مقالة تحت عنوان (طقوس عاشوراء عند الرافضة) في عددها الصادر في العاشر من نيسان (ابريل) الماضي. إن هذه المقالة الإستفزازية قميئة فعلاً بكل إدانة وإستنكار وهي إن دلت علي شيء فإنما تدل علي مستوي الخواء الفكري والسياسي لصحف النظام والناطقة باسم بعض رموزه.إن الفقرات النـزيرة التي نقلتها جريدة عراقية معارضة تصدر في لندن عن جريدة (بابل) تقطر في الحقيقة سماً طائفياً متخلفاً، هو الوجه الآخر للقطران الطائفي الذي راح يفوح ويفيض من البرامج والبيانات الطائفية من الجهة المقابلة والتي تريد وإن أنكرت ذلك علناً وتكتيكيا إقامة إتحاد للإمارات الطائفية المتذابحة في العراق.
ففي مقالته يذهب كاتب (بابل) الذي إمتشق لغة طائفية سقيمة سادت في عهد المماليك وما قبله من عصور الإنحطاط الحضاري التي أعقبت سقوط بغداد علي أيدي المغول وصعود نجم السلاجقة الترك فيستعمل كلمة (الرافضة) جمع (الرافضي).في النـزر اليسير الذي أقتبس عن تلك المقالة المفعمة بالسوء، نقرأ، أن الكاتب (البابلي) يشنع على أغلبية المجتمع العراقي من الطائفة الشيعية بأنهم (أبناء زنى لأنهم يبيحون العلاقات الجنسية المحرمة (وأن مزارات أئمة الشيعة - وهم جميعا من أحفاد النبي العربي الكريم كما يعلم القارئ -وعتباتهم المقدسة هي أماكن للاختلاط الجنسي بهدف التكاثر السكاني..) و(أن الشيعة أو الرافضة حين يبكون خلال طقوس عاشوراء فهم لا يبكون علي الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب وإنما يبكون مصيرهم ومصير أجدادهم الخونة الذين خانوا الله ورسوله والصحابة..) فهل ثمة تشنيع طائفي أكثر بذاءة وحقدا علي ملايين العراقيين من هذا؟) (3)

إختراق و إضطراب
و من الفعاليات المبتكرة لمعارضي نظام صدام آنذاك ان قامت احدى صحف المعارضة بطبع إحدى أعدادها بترويسة ومانشيت صحيفة (بابل) التي يصدرها عدي صدام وأرسلت خمسين ألف نسخة منها الى بغداد وتم توزيعها هناك ونفدت خلال ساعات حيث استبشر المواطنون عندما اكتشفوا أن عنوان الصحيفة (بابل) لكن موادها ضد نظام صدام ولما علمت أجهزة النظام بهذه الفعالية أعلنت حالة الطوارئ بين صفوفها ولكن بعد فوات الأوان ·
ليس هذا فحسب بل إن هناك مجاميع قصصية وشعرية معارضة لكتاب وشعراء عراقيين في داخل العراق أخذوا يطبعون مؤلفاتهم بشكل سري وبطريقة التصوير ويوزعونها على المواطنين وبعضها يرسل الى خارج العراق·
في أواخر أيام النظام و قعت أجهزته الأمنية و العسكرية في إرتباك و اضطراب كبيرين إنعكس بالتالي على أداء منتسبيها الذين أخذوا يبحثون عن ملاذ آمن لهم بعد أن تسربلت لهم القناعة أن النظام زائل لا محالة في الحرب القادمة ..
إن ما ورد في مذكرات الطبيب الشخصي لصدام وأسرته الدكتور الجراح "علاء بشير" و التي نشرها في كتاب بعنوان ( كنت طبيباً لصدام ) يشير بدقة الى التردي الكبير الذي وقع فيه النظام و رجاله .
يقول بشير : ( كانت مظاهر الإنهيار تطالعنا واضحة في كل مكان، ففي أماكن متزايدة من بغداد بدأت مياه الصرف الصحي في ملء الشوارع من الرصيف إلي الرصيف. كان الماء يصعد من الأرض ولا أحد يعرف من أين.
كان طفح مياه الصرف الصحي يحدث دائما بالطريقة نفسها فقد كان يصيب الحي تلو الآخر بالتناوب وعندما استقصيت هذه الظاهرة عرفت السبب: لقد أصاب جنون الفساد قطاع الصرف الصحي ببغداد أيضا. عندما تطفح مياه الصرف الصحي في مكان وتملأه كان الناس يذهبون للمهندس المسؤول في الإدارة المختصة، وهناك كان الفني المسؤول متواجد دائما وفي مقابل رشوة مناسبة يقوم بتحويل مياه الصرف الصحي إلي حي سكني آخر.. كانت هذه تجارة مربحة. لقد إمتد الفساد في كل المجتمع العراقي ولم يتوقف امتداده حتي في الوسط الأكاديمي فقد ازدادت الحالات التي يأخذ فيها المدرسون والأساتذة ــ الذين لم تعد الحكومة قادرة علي دفع رواتبهم ـ الرشاوي من تلاميذهم وطلابهم من أجل مساعدتهم علي إجتياز إختبارات القبول أو الإمتحانات. بدأت الجامعات والمعاهد العليا في العراق التي كانت تعمل علي مستوي عال وتبعاَ للنموذج الإنكليزي، بدأت مثلها مثل كل شيء في المجتمع العراقي في الإنهيار وقد ساهمت الطبقة الحاكمة في هذا الإنهيار، فقد ظهرت على كثير منهم فجأة عقد الإحساس بالنقص لأن الأعضاء الشباب في حزب البعث بدأوا في الترقي. وكان معظمهم من الحاصلين علي الشهادة الجامعية ودرجة الدكتوراه من جامعة بغداد. وكان معظم المقربين من صدام من الحاصلين علي شهادة إتمام التعليم الابتدائي أو الثانوي على الأكثر. )(4)و قد إنعكس هذا الإضطراب على الصحافة و وسائل الإعلام الرسمية و غير الرسمية التي لم تعد مقُنعة لمتلقيها العراقي و الذي أخذ يتخلى عنها تماماً و ينصرف لتلقي الأخبار و المعلومات من مصادر أخرى خاصة تلك المعارضة للنظام .
لقد كان رأس النظام و أفراد إسرته يعيشون في عالم آخر غير مشغولين بمصير الشعب و البلاد و غير مشغولين حتى بمصائرهم الشخصية لقناعتهم أنهم سينجون من الحرب القادمة كما نجوا و نجا نظامهم في حروب و أزمات سابقة .
ان ما ورد في مذكرات الدكتور الجراح "علاء بشير" ، يدل بوضوح على أنماط تفكير و سلوك بعض أفراد أسرة صدام قبل أيام من بدء العمليات العسكرية التي أطاحت بنظامه .
يقول الدكتور علاء :
( في السادس من كانون الثاني تم إلغاء العرض العسكري الذي يقام عادة في عيد الجيش. فقد اصبح من الواضح لكل مواطن عراقي عاقل أن العد التنازلي للحرب ضد أميركا وبريطانيا قد بدأ وأن العراق ليس لديه أي قدرة علي المقاومة. وبينما كان المفتشون يبحثون بلا جدوي عن أسلحة الدمار الشامل في العراق التي لم تكن بحوزة صدام، وبينما كانت التهديدات تنهال علينا من واشنطن ولندن، إذا ب " قصي " الأبن الأصغر لصدام يطلبني إلي بيته. فإبنته ذات الخمس عشر سنة لم تكن راضية عن أنفها، وطلبت مني الأسرة أن أعدله. فبينما تدق طبول الحرب علي مشارف العراق كانت عائلة صدام منشغلة بمثل هذه الأمور. وعلى أي حال فقد كانت عملية بسيطة، قد أجريتها آلاف المرات في مستشفي المنصور من قبل. وفي اليوم التالي طلبت إلي بيت" رغد" ابنة صدام زوجة "حسين كامل" فقد كانت ابنتها، حفيدة صدام ذات الستة عشر ربيعا، "حرير"، تريد تجميل أنفها هي الأخري. وكأنهم لم يكتفوا بذلك.. فقد اتصلت بي بعدها أخت زوجة قصي للسبب نفسه. وفي الخامس عشر من شباط كنت قد انتهيت من الثلاث عمليات. وقد لفت نظري أن عائلة صدام لم تكن تدرك ما ينتظرها وما تعنيه الحرب وما ستجلبه عليهم. لم يكن تقييمهم للأمور سليما كما ظهر لاحقا فيما بعد.
في الثالث عشر من شهر مارس قبل بدء الحرب بأسبوع أجريت آخر فحص علي مريضاتي الثلاث. ولفت نظري اختفاء جميع النجف والأثاث الإيطالي من بيت قصي في الجادرية وبدا البيت شبه خال. كان للموت رائحة في ذلك المكان. أما وطبان أخو برزان و صدام فقد أرسل لي قبلها بأيام داعرتين من صديقاته بصحبة أحد حراسه، أرادت أحداهما تصغير صدرها والثانية تعديل عظام الحوض حيث كانت فعلا كبيرة الحجم فأجبتهما أن الوقت غير مناسب تماماً لأن البلد يستعد لخوض الحرب. وغضبتا جداً عندما أرسلتهما دون تلبية رغبتهما. اتصل بي حارس وطبان بعدها بيوم قائلا: «إن رئيسي يسألك ماذا إذا كان من الممكن أن تساعد الفتاتين بالرغم من ذلك»؟ فأجبته: لآلقد وصلت حياة وطبان إلي هذا المستوي المتدني فلم يعد يشغله غير الخمر والراقصات والداعرات. وكان هذا هو وضع سبعاوي أيضا، الأخ الأكبر لبرزان.)(5)
بهذه الأجواء دخل العراق الحرب مع قوات التحالف الدولي فكان من الطبيعي أن يحصل الأنهيار الكبير الذي شهدناه لنظام صدام و بهذه السرعة ، و ذلك يفسر صمت أغلبية الشعب العراقي و عدم مقاومته للقوات الغازية و التي رفعت شعار التحرير للشعب من الدكتاتورية و الإستبداد .
و كانت الصحافة بإضطرابها و ترديها المريع في أخريات أيام النظام تعبر تعبيراً صادقا عن حال النظام و مدى ترديه و إرتباكه و ضعفه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جريدة الزمان اللندنية - بهدؤ رجاءاً - متي سنصدق ما جري؟ - عبد الستار ناصر- مايس 2003(2) وجيه عباس- صحفي عراقي- مقالة على النت
(3) جريدة ابن الرئيس والتهجم علي الطائفة الشيعية - إستفزازات ضد العراقيين جميعاً.. وليس طائفة بعينها - علاء اللاميجريدة (الزمان) العدد 1317 التاريخ 2002 - 9 – 20
(4) كنت طبيبا لصدام _ الدكتور علاء بشير الطبيب الشخصي لصدام حسين
(5) المصدر أعلاه.
* مجتزء من رسالة الماجستير للكاتب المعنونة ( المواقع الصحفية الإلكترونية العراقية على شبكة الإنترنت )
ahmad_alsaleh58@yahoo.com

No comments: