المواقع الصحفية العراقية على شبكة الإنترنت *
أحمد الصالح
مع شيوع إستخدام شبكة الإنترنت عبر قارات العالم وعلى نطاق شعبي في أواسط التسعينات من القرن الماضي ، كان الإعلاميون و الصحفيون العراقيون الذين يعيشون في المنافي سباقون لإقتحام هذا العالم الواسع الرحيب للتعبير عن قضاياهم و همومهم ، خاصة تلك التي تتعلق بمسألة الحكم و العدالة و الحرية و النشاط الثقافي و الفني في بلادهم التي كانت تحت حكم إستبدادي مطلق .
أما زملاؤهم في الداخل فكانوا يتحرقون شوقا لإستخدام هذه التقنية بشكل حر وكفوء حيث حُرم عليهم ذلك بفعل الإجراءات القسرية التي كان يعمد اليها النظام مع حملة الأقلام الحرة .
و ما أن أُطيح بنظام صدام حتى سارع الأعلاميون العراقيون الى تأسيس مواقعهم الإلكترونية ، يشاركهم في هذه الفورة السياسيون القدامى و الجدد و كل من يرى في الإنترنت فرصة للشهرة و الإنتشار و الكسب ، خاصة و أن العراق الجديد تبنى الديمقراطية كمنهج لتداول الحكم ، و ما للإعلام من دور مهم و حاسم في تعزيز فرص الناشطين سياسياً في هذا المنهج .
الأستنتاجات و بعد التعرف على تاريخ الصحافة العراقية منذ التأسيس و ما تلاها من حقب ، مع التركيز على النشاط الصحفي على شبكة الإنترنت خاصة بعد الإطاحة بنظام صدام و على مساحة خمس سنوات ، يمكن الخروج بالإستنتاجات التالية:
1- يعكس النشاط الصحفي والإعلامي عموماً ، حجم و نوع الحراك السياسي في أي مجتمع ، و يمكن إعتماده كمعيار لكشف إتجاهات الصراع و بيان حجم الكتل والتيارات الفاعلة في المشهد السياسي للمجتمع ، و كذا الحال في العراق ، فلطالما كانت الصحافة في هذه البلاد، وعبر تاريخها الطويل و المتفرد بين بلدان الشرق الأوسط ، تعبر تعبيراً صادقاً و دقيقاً عن مجمل العملية السياسية الجارية فيه خاصة بعد أن إنفتحت أجواء العمل الحر أمام الصحافة وعلى أوسع أبوابها بعد التاسع من نيسان 2003.
2- الأعداد المتزايدة للمواقع الصحفية الإلكترونية على الشبكة و إتجاهاتها و ميولها المختلفة و المتعارضة أحيانا ، قد تعبر عن حجم التشتت السياسي و الديني و المذهبي و القومي الذي يعيشه العراق في ظل ظروف الفوضى التي شهدتها البلاد بعد الإطاحة بنظام الحكم المركزي الذي كان قائما في عهد صدام حسين .
لكن هذا الإختلاف والتباين يعبر من جانب آخر عن التعدد الواسع النطاق في أصل مكونات الشعب العراقي و تنوع ثقافاته و التي كانت على مر التاريخ مصدر غنى لثقافة الشعب عموما بدلا من أن تكون مصدر تفتت أو إحتراب خاصة عندما تتيسر ظروف إستقرارالأوضاع السياسية و قيام دولة قوية في البلاد .
على هذا الأساس يمكن أن تكون ( المواقع الصحفية الإلكترونية ) مؤشرا ممتازا للحراك السياسي و الإجتماعي و الثقافي في البلاد في هذه المرحلة .
3- يلاحظ أيضا تزايد المواقع الإلكترونية الصحفية الحزبية ، ولهذا عدة دلالات منها :
- نشطت أحزاب و حركات المعارضة لنظام صدام منذ وقت مبكر على شبكة الإنترت و إستخدمتها على نطاق واسع للترويج الى خطابها السياسي لرخص تكاليف هذه الوسيلة الإعلامية و لسعتها المتزايدة بإضطراد و لإمكانية الوصول الى الجمهور المستهدف من العراقيين خاصة في خارج العراق بسهولة و يسر رغم إنتشارهم الواسع في مختلف بلدان العالم .
- تمتعت أحزاب و حركات المعارضة لنظام صدام بوجود أعداد كبيرة من المثقفين و الإختصاصيين و الإعلاميين الذي غادروا العراق هرباً من الإجراءات القمعية للنظام السابق فعمدوا الى تكريس جهودم في مقارعته بالوسائل الإعلامية المتيسرة و خاصة شبكة الإنترنت لمزايها الأيجابية الكثيرة و لعل أبرزها أنها سهلة التمكن والأستخدام من قبل حتى الناشطين الأفراد .
- الدعم المادي الدولي الذي حظيت به فصائل المعارضة للنظام السابق و خاصة من الولايات المتحدة و دول أخرى .
- أما بعد الإطاحة بنظام صدام فقد تيسرت لجميع الناشطين العراقيين فرصة إستخدام شبكة الإنترنت لأغراض متعددة و لعل أبرزها النشاط الإعلامي والصحفي ، بما يعبر عن سعة الحراك السياسي و الإجتماعي و حجم الخزين الثقافي في العراق.
4- يلاحظ أن هناك زيادة واضحة في عدد المواقع الصحفية الكردية نسبة الى مواقع القوميات الأخرى المكونة للمجتمع العراقي ، و قد يعود سبب ذلك الى عدة عوامل :
- إن منطقة كردستان العراق شهدت إستقراراً سياسياً مبكراً و متنامي بإضطراد نسبة الى مناطق العراق فقد تمكنت أحزابها السياسية من مسك زمام الأمور فيها بعد إنتفاضة العام 1991 بعد أن تخلى الحكم المركزي في بغداد عنها بفعل الضغوط الدولية وعدم سيطرته على المنطقة و تغير الظروف السياسية في غير صالحه .
- الشعور القومي الكردي الطاغي على الحركة السياسية وعموم النشاط الإجتماعي لسكان المنطقة على خلفية عقود من الإضطهاد و الحروب التي تعرض لها الشعب الكردي من الحكومات المركزية المتعاقبة.
- تعرف سكان المنطقة على شبكة الإنترنت في وقت مبكر نسبة الى بقية سكان العراق الذين كان يُمنع عليهم إستخدام شبكة الإنترنت إلا بشكل محدود جداً و تحت رقابة مشددة .
- تتلقى عموم النشاطات الإعلامية و الإجتماعية و السياسية في المنطقة الكردية دعماً متزايداً من قبل جهات متعددة و على المستوى العالمي نصرة للقضية الكردية و بفعل المجهود الناجح الذي بذلته التنظيمات الكردية عبر أقطار العالم و لعقود من السنين.
5 - من جانب آخر يلاحظ زيادة في عدد المواقع السياسية الإسلامية الشيعية نسبة الى غيرها ، وهذا يعود الى :
- إدراك أبناء الطائفة الشيعية و لو في وقت متأخر أهمية النشاط الإعلامي في الترويج الى قضيتهم و للتعبير عن طموحاتهم و مصالحهم .
- مساحة الحرية الواسعة التي تمتع بها عموم الشعب العراقي بعد الإطاحة بنظام صدام و خاصة أبناء الطائفة الشيعية الذين تيسرت لهم لأول مرة فرصة المشاركة بالحكم على نطاق واسع و بشكل مركزي في العهد الجديد ، فجائت هذه المواقع كغيرها من وسائل الإعلام المتيسرة للتعريف بنشاطهم السياسي و الإجتماعي والثقافي .
- حصول الأحزاب و الحركات السياسية الشيعية على دعم غير محدود من الطائفة الشيعية عبر أقطار العالم المختلفة ، وإن كان بعضه يأتي بشكل غير مباشر، عبر دعم المرجعيات الدينية الشيعية مثلاً أو عبر التبرعات التي تحظى بها المراقد المقدسة المتعددة "لآل البيت" في العراق.
- إدراك قطاعات واسعة من أبناء الشيعة في العراق أهمية النشاط الإعلامي للترويج لقضاياهم و للتعبير عن نظرتهم في مختلف القضايا التي تعنيهم و تعني بلادهم .
6- إن الصراع السياسي و طموحات الأحزاب والحركات والناشطين السياسيين هو الطاغي على المواقع الصحفية الإلكترونية أكثر من غيره وان كان يلبس لبوساً طائفياً أو قومياً في أحيان أخرى .
7- قد تعبر بعض المواقع الصحفية عن ترويج طائفي و إتهامات متبادلة بين أطراف النزاع ، بيد أنه من الواضح غير متأصل في طبيعة العراقيين بقدر ما هو حث أجنبي و نفوذ مدفوع من قبل دول الجوار تبعاً لأجندتها الوطنية و الأقليمية المختلفة والمتباينة ، فعلى سبيل المثال ، ما زال الصراع "الأيراني \ السعودي- العربي" يترك بصماته الواضحة على الأرض العراقية ليعبر عنه في وسائل الإعلام على أنه صراعا بين مكونات الشعب العراقي و ليس في هذا التعليل الكثير من الحقيقة .
8- لم تشر معظم المواقع الصحفية الإلكترونية العراقية الى تاريخ تأسيسها و ظهورها على الشبكة ليتسنى متابعة مواقفها من مجريات الأحداث و القضايا رجوعاً الى الماضي و بشكل متسلسل.
9- تبقى مصادر تمويل المواقع الإلكترونية مجهولة أو خفية و يحرص القائمون عليها على التمويه على هذه المسألة مما يثير الكثير من الشك و يعيق المصداقية في الخطاب الإعلامي و السياسي لهذه المواقع والأجندة التي تسعى الى تحقيقها .
10 – هناك الكثير من الإرتجال في تأسيس بعض المواقع الإلكترونية الصحفية ، وقد يعود ذلك الى تحاشي دخول مؤسسات و شركات و منظمات أو وكالات محلية جادة هذا الميدان .. فقد يتم إنشاء المواقع الألكترونية بناء على رغبة شخصية و مزاج فردي لا يلبث أن ينطفئ مع مرور الزمن أو عدم الجدوى ، و هوأيضا مغامرات غير محسوبة و غير مهيء لها مهنياً بشكل جيد ... بالإضافة الى ضعف التمويل لهذا الأستثمار ، لحداثة عهد العراقيين بالصحافة الحرة ، و تخوف الرأسمال المحلي من إقتحام هذا الميدان لعدم خبرته به.
11- ما زال الصحفيون العراقيون يعانون من التهديد لحياتهم و مصادر رزقهم. فإذا كان النظام السابق هو مصدر التهديد لهم مما دفع العشرات منهم للهجرة خارج البلاد فان الوضع الأمني المرتبك وعبث الميليشيات و العصابات والأرهابيين و الأحزاب المتطرفة و المتعصبة هي مصدر التهديد الجديد لهم ، فضلاً عن ضعف أجهزة الدولة الأمنية غير القادرة عن توفير الحماية للصحفيين و للمواطنين عموما .
12- معظم المواقع الإكترونية الصحفية العراقية لم تستخدم التقنيات الحديثة في الإخراج الفني و العرض والمشوقة للمادة الصحفية ، و قد يعود ذلك الى ضعف التمويل المُستثمر في إنشاء المواقع ، و لقلة خبرة و دراية القائمين على إنشائها و أدارتها بأهمية الأخراج الفني للمواقع الصحفية ، فضلاً عن حداثة العهد بالنسبة لعراقيي الداخل بالعمل الصحفي الحر و النشر الإلكتروني على وجه الخصوص .
13- غياب الأخبار المبدعة و الأصيلة عن معظم المواقع الصحفية الإلكترونية العراقية ، و يعود ذلك الى: - إعتمادها على مواقع وكالات الأنباء والأذاعات و الفضائيات و الصحف أستسهالاً . - الوضع الأمني غير المستتب و التهديد المستمر و المتصاعد لحياة المراسلين الصحفيين العاملين في ميدان الأحداث ، مما أعاق عمل الكثير منهم و أدى بذلك الى شحة الأخبار الأصيلة و المبدعة و المنتجة في مكان الحدث .
- عدم وجود تشريعات و إجراءات رسمية رادعة تمنع المواقع الإلكترونية من سرقة جهود الغير في النشر الصحفي .
- ضعف الإمكانات و القدرات لبعض القائمين على إدارة المواقع الإلكترونية ، و إبتعاد البعض عنهم عن شروط العمل الصحفي و أخلاقيات المهنة .
14- إقتحمت شبكة الإنترنت " الخشية و التوجس " التاريخي للشخصية العراقية و المحرمات التي كان إختراقها الى وقت قريب مؤداه الإعدام في كثير من الأحيان تحت سلطة النظام الدكتاتوري السابق .
فجأة وجد العراقي نفسه أمام العالم الواسع الملون الرحيب عبر نافذة الإنترنت ليطل من خلالها وقت ما يشاء و في أي مكان يشاء حتى لوكان مستلقيا على فراش النوم .
إن تزايد سعة الإستخدام لشبكة الإنترنت في العراق مع مرور الوقت أتاح للعراقيين فرصة ممتازة لمتابعة الأحداث و القضايا التي تحظى بإهتمامهم ، والتعرف على وجهات النظر المتباينة ، مما سوف ييسر رؤية ناضجة للأشياء ستكون هي الفيصل في إختياراتهم السياسية والحياتية في المستقبل ، خاصة وهم يعيشون حياة ديمقراطية نامية .
و لم يكن الإستخدام الحر لشبكة الإنترنت يحمل طابعا إيجابيا فقط ، إنما كانت له تأثيرات سلبية لابد منها في ظل أوضاع سياسية و أمنية قلقة ، خاصة بعد إستخدام الإرهابيين و المتطرفين الواسع و الفعال للشبكة في الترويج و التثقيف لأفكارهم الشاذة و نشر عملياتهم و بياناتهم الأرهابية و ثقافة الكراهية و التطرف التي تبنوها، فكانت الشبكة عبر وسائطها المتعددة مرتعاً مفضلاً لهذه المنظمات ، تبعا لخاصية الهروب و التخفي عن أنظار العدالة، تلك الميزة التي تيسرها الشبكة للمستفيدين من هذه التقنية .
15- يسرت شبكة الإنترنت فرص كبيرة لهواة الكتابة و غيرالمحترفين من الصحفيين لنشر نتاجاتهم الصحفية في المواقع الإلكترونية المنتشرة بأعداد لا تحصى ، كما أن قسم منهم فضل إقامة موقعه الشخصي لعرض آراءه و نتاجاته الأدبية الخاصة .
أخيرا يسّر ( البلوغ \ المدونة) فرصة ممتازة للناشطين في ميدان الكتابة الصحفية ، حتى كان لأحد العراقيين قصب السبق في شهرة ( البلوغ ) عالمياً من خلال روايته لمعايشاته اليومية في بغداد أبان الإطاحة بنظام صدام ، مما دعى كبريات الصحف العالمية الى التعاقد معه و نشر قصصه الصحفية .
أصبح ( البلوغ \ التدوين ) اليوم ممارسة شهيرة لدى العراقيين لنشر قصصهم الصحفية و باللغتين العربية والإنكليزية مما جعل القراء يهتمون بهذه القصص على نطاق عالمي .
16- يسّرت المواقع الإلكترونية التفاعلية و مع تحسن إستخدامات شبكة الإنترنت مع مرور الزمن فرصا كبيرة للعراقيين للتواصل و التحاور في شتى المواضيع مما سيتم حصاده في المستقبل وعيا ًو إدراكاً لأهمية الحياة الديمقراطية و تبادل الرأي في حياتهم الجديدة و نبذ العنف و القسر الذي إعتادوا عليه عقود من الزمن تحت حكم الدكتاتورية .
17- منذ اليوم الأول لإسقاط النظام السابق ، ظهرت على الساحة الإعلامية في العراق ثلاثة أنواع من الصحف يمكن تصنيفها حسب جههات إصدارها ، وهي: صحف السلطة الجديدة ، و صحف الأحزاب السياسية و منظمات المجتمع المدني ، و الصحف المستقلة .
تبنت صحف السلطة في البداية الخطاب السياسي للولايات المتحدة الراعية للعملية السياسية في العراق ، ثم مع تأسيس السلطات العراقية و تعاقب مراحل العملية السياسية الوطنية، تحول خطاب هذه الصحف ليعبر عن سياسة الدولة الجديدة و توجهاتها الديمقراطية ، و رغم الضبابية و المصاعب الكبيرة التي إعترضت عمل هذه الصحف و وسائل الإعلام من حيث كفاءة العاملين فيها أو من حيث الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها مقراتها و العاملين فيها ، أو من حيث تيسر الأمكانيات المادية ، فقد حاولت مع مرور الزمن أن تنتهج لها خطاً يسعى لأن يكون مهنياً محترفاً و بعيد الى حد مقبول، عن الصراعات السياسية و الحزبية و تبعاتها .
18- صورة الفوضى التي عاشتها البلاد طيلة الخمس سنوات السابقة منذ إسقاط نظام صدام تكشف عن جزء من الأجابة على السؤال أعلاه ..
فلعل الكثير من الوسائل و الصحف التي تثير الفوضى و تشجع على إعاقة العملية السياسية الجارية في البلاد تتلقى تمويلاً من جهات داخلية أو خارجية خفية و غير شرعية ، لا يسرها إقامة العراق الجديد و لأسباب سياسية باتت معروفة . كما أن هناك من الأثرياء الذين سعوا الى إقتحام مجال الإعلام ليس لغرض الأستثمار المشروع ، إنما بقصد الوجاهة والترويج الإعلاني لأغراض سياسية و منفعية خاصة .
أسهم هؤلاء للأسف في إعطاء صورة غير حسنة عن الممارسة الإعلامية في البلاد بسبب ضعف قدراتهم و عدم درايتهم بإصول العمل الإعلامي و مقاصده الشريفة .
19- تثار تساؤلات كثيرة عن شرعية التمويل الحزبي للصحف و وسائل الإعلام الناطقه بإسمائها ، كما تثار نفس التسؤلات بخصوص شرعية تمويل بعض الصحف المستقلة .
ففي الوقت الذي تعاني منه جميع الصحف و وسائل الإعلام العراقية من ضعف التمويل المتأتي من الإعلانات التجارية أو مبيعات الصحف ، يبقى السؤال العالق ..
أذن كيف تستطيع هذه الوسائل و الصحف من الإستمرار في الصدور و العمل في حين توقفت أخرى بسبب إنعدام مصادر التمويل ؟؟!!
20- إتجاهات التحرير الصحفي في المواقع الصحفية العراقية الإلكترونية تنوعت و تعددت ، حسب الفنون الصحفية المعروفة ، فهناك صحف الرأي، و صحف الخبر ، و الصحف التي تستقي مادتها من الإنترنت بالإعتماد على المواقع و الصحف الأخرى ، كما أن هناك مواقع و صحف تجمع كل الفنون الصحفية بما فيها الفديو كليب و الإذاعة .
وهناك مواقع أهتمت بعرض وقائع الماضي و الذكريات عبر نشرها للوثائق و الشهادات عن حقبة العهد السابق و الذي قبله ، فالمتصفح ما زال مهتماً بهذا الموروث و متابعة مادته.
و هناك أيضا إتجاهات أخرى للتحرير الصحفي لهذه المواقع ، فهناك صحف و مواقع هزلية ، و أخرى شبابية ، و أخرى إختصت بالفضائح السياسية و غيرها .
لكن الملاحظ أن الفورة الأولى لظهور أعداد كبيرة من الصحف في البداية لم تستمر طويلا ، فمع مرور الزمن بدأت الكثير من الصحف تتوقف عن الصدور أو مواقع إلكترونية تتوقف عن التحديث.
و من حيث التوجه أيضا فقد أهتمت بعض الصحف والمواقع بالمسائل المطلبية للشعب والتي ما زالت الشاغل الأكبر- بعد الأمن - للناس و للصحافة، لعدم وجود أفق قريب لحل هذه المشكلات الموروثة من النظام السابق و التي إزدادت كثيراً بفعل العمليات الإرهابية و الفساد الأداري المستشري في الدولة الجديدة .
في حين راحت صحف و مواقع أخرى و هي كثيرة أيضا تهتم بجدل الهويات القومية و الطائفية و الجهوية و عرض المظلوميات على خلفية مجريات الأمور في ظل نظام صدام السابق .
و بالتأكيد كان للبعض المتطر ف من وسائل الأعلام و الصحف هذه دوراً مثيراً في الصراع المسلح المؤسف بين بعض المكونات الشعبية العراقية خلال السنين الماضية .
21- كشفت الدراسة عن العدد المريع للصحفيين و الإعلاميين الذي تعرضوا للإغتيال و للعمليات الأرهابية و للإختطاف و للإصابة خلال العمل و للإعتقال ، و ما الى ذلك من مخاطر .
ففي كل عام تكشف منظمات معنية بحقوق الصحفيين عن الخطرالأكبرالذي يحيق بالصحفيين العاملين في العراق بما لايوجد له مثيلا في بلدان أخرى أو في مواقع نزاع سابقة.
و رغم ذلك تدل هذه الأرقام و الحوادث على أصرار الصحفي العراقي على المواصلة و الإستمرار في أداء مهماته ساعيا الى تطويرها قُدما ، و هذا يُعد مفخرة للعاملين في هذا القطاع سيحصدون نتائجه الحسنة على المستوى العالمي في المستقبل القريب .
22- من جانب آخر أضحى الصحفيون و العاملون في حقل الأعلام عموما هدفاً سهلاً و محدداً لما يمكن تسميته بالطغيان الطائفي و العرقي المتطرف و قوى التخلف و الجهل التي وجدت لها مساحة واسعة من الحركة في ظل غياب هيبة الدولة و القانون ، فراح عشرات الصحفيين و الإعلاميين ضحية لإصرارهم على الإستمرار في عملهم ، مثلما تعرض زملاؤهم من أجيال سابقة لعنت و ظلم سلطات النظام السابق ، فإضطر عدد غير قليل للهجرة بينما تنحى بعضهم عن مهنة المتاعب و الموت السهل في حين إستمر البعض الآخر باصرار على تأدية واجبه المهني .
إن مساحة الحريات المطلقة التي يسّرتها الحياة السياسية في العراق الجديد مهدت لظهور بعض الإعلاميين و الصحفيين ذوي الميول العرقية و الطائفية عملوا على تكريس مصطلحات و مسميات طغت على الخيارات الوطنية ، في حين تخلى العلمانيون و اللبراليون، وغيرهم عن الإعلان عن ميولهم السياسية أو برامجهم الوطنية خشية إتهامهم (بالكفر والإلحاد) و ما يتبع هذا الإتهام من عواقب وخيمة .
التوصيات
في ظل هذا التنافس الشديد و حجم الإستثمار المتزايد و المتنوع في حقل الإعلام على مستوى الوسيلة و التوجه و المضمون ، تصبح مسألة النجاح و التفوق أمرا لابد منه للإستمرار و فيما عدا ذلك فلا بد من التخلي عن ولوج هذا العالم الصعب و التنحي جانبا لإتاحة الفرصة الى من يجيد شروط لعبة النجاح .
إن النجاح الأعلامي في عصر العولمة لا يقاس بالقيمة الثقافية و المعرفية و المنفعة الإجتماعية المضافة فقط إنما يقاس بالعائد التجاري قبل كل شيء .
فأما أن تستمر في العمل و الإنجاز بتوفر التمويل الكاف أو أنك تخسر كل شيء دفعة واحدة ، و ما من أحد يتبرع لتعويض خسارتك بدون مقابل .
مازالت معظم الوسائل الإعلامية تعتمد الى حد كبير على الإعلان كمصدر أساس للتمويل و التشغيل والذي يضمن للوسيلة مستوى كبير من الأستقلالية و إعتماد المعايير المهنية الصحيحة بعيداً عن نفوذ غير مرغوب به أو مضر بأخلاقيات المهنة و أصولها .
و رغم الإنفتاح الواسع في العمل الإعلامي و الإعلاني في العراق بعد الإطاحة بالنظام الدكتاتوري السابق ، فإن معظم الصحف و وسائل الأعلام العراقية الأخرى ما زالت تعاني من شحة التمويل عن طريق الإعلانات ، و هذا مرتبط بعدة عوامل ، لعل أبرزها ضعف الحركة الأقتصادية في البلاد بسبب الظروف الأمنية القلقة ، و لجهل المستثمر العراقي بالقيمة الترويجية التسويقية للإعلان ، و لحداثة العراقيين بهذه الوسيلة حيث كان الإعلان التجاري ممنوعاً أو محدوداً بشروط قاسية الى وقت قريب قبل سقوط النظام السابق على خلفية فلسفة النظام في الحكم .
الإعلانات الوحيدة التي يمكن إعتبارها مصدر تمويل جيد للصحف هي الإعلانات الحكومية ، التي إستحوذت على معظمها" شبكة الإعلام العراقي " الحكومية عبر وسائلها الإعلامية التلفزيونية و الإذاعية و الصحفية الحكومية مما دعا الصحف و وسائل الإعلام العراقية الأخرى الى الشكوى من هذا الأستحواذ و مطالبة الدولة و في أعلى مستوياتها بإتخاذ إجراءات عادلة في نشر الإعلانات الحكومية .
إن انحسار الإعلان التجاري عن الصحف الورقية إنسحب أيضا على المواقع الصحفية الإلكترونية العراقية مما أفقدها مصدراً مهما للتمويل المستقل .
إن ضعف التمويل المستقل لوسائل الإعلام العراقية أو إنعدامه كلياً ، حتماً يثير التساؤل عن مصادر تمويل هذه الوسائل و الصحف ، و ماهية إستحقاقاته ؟!
و تبعاً لذلك يصبح من الطبيعي التساؤل عن الأخلاقية والإستقلالية و المهنية ثم تنمية و تطوير حقل النشاط الإعلامي العراقي بشكل مستقل ، والذي يعد العلامة الأبرز و الأهم في الحياة الديمقراطية في العراق الجديد .
إن مسالة السوق الإعلامية و التنشيط الإعلامي في العراق بحاجة الى معرفة دقيقة بأساليب الترويج و التسويق الإعلامي لشعوب العالم من حيث إستخدام النهج والإسلوب المناسب لمخاطبة شعوب تؤمن بالديمقراطية و تمارسها . إن أقامة صناعة إعلامية وطنية متطورة في العراق سيمكن من تحقيق عوائد مالية كبيرة للبلاد ، ستسهم بالتالي في تعزيز الديمقراطية و تنشيط العمل الإعلامي ذاته ، فضلاً عن الرخاء الذي سيتمتع به العاملين في هذا القطاع .
1- العراق منذ عقود من السنين و هو مركز إستقطاب عالمي و محل إهتمام سكان العالم في كل مكان و كان من المفترض أن تنشط فيه حركة الإعلام المحلي و الدولي .
ومن الحيف أن لا يلتفت الإعلاميون العراقيون و الجهات المعنية بالتنشيط الإعلامي ، للإستفادة من السوق الدولية النشيطة في هذا الحقل .
2- من المهم جداً سن تشريعات تتعامل مع ظاهرة التمويل الخفي و غير المنظور لوسائل الإعلام العراقية ، و تحديد مصادره، خاصة تلك الوسائل التي تروج للإرهاب و تهدد السلم الإجتماعي ، و تدعو الى ثقافة الكراهية و التمييز بين أفراد الشعب العراقي .
3- تطوير شبكة الإنترنت و تعزيز بنيتها التحتية و التقنية ، و فسح المجال للقطاع الخاص تحت تشريعات محددة لولوج هذا الميدان وعلى جميع أصعدته إنسجاما مع التوجه الديمقراطي للبلاد .
4- مساهمة الدولة و تشجيع القطاع الخاص عبر تشريعات معينة على الولوج بفعالية الى عالم البرمجيات و تقنياتها و صناعة أجهزة الكومبيوتر ، و السعي الى تيسيرها بأسعار متهاودة في الأسواق ، خاصة و أن المواد الأولية و الطاقات البشرية و الأموال متوفرة في العراق للبدء في إنشاء و تطوير هذه الصناعة .
5- إلزام نقابة الصحفيين و الجهات المعنية بالنشر و الإعلام في البلاد، بتبني تشريعات يتم بموجبها أعداد كشوف و بيانات بوسائل الأعلام المختلفة جميعها ، و التعريف بالقائمين عليها و المشرفين على أدارتها من حيث الآهلية و الإنتساب للعمل الصحفي من عدمه ، لغرض تعريف المتلقي و القارئ و حماية ذوي المهنة من المتطفلين عليها .
6- إعادة النظر بتشريعات الوسائل الإعلامية الممولة من قبل الدولة و المال العام حالياً ، خاصة فيما يتعلق بممتلكاتها و جدارة منتسبيها و كفائتهم و طبيعة توجهاتهم ، خاصة وأن ناشطي النظام السابق إستطاعوا أن ينظمّوا صفوفهم و يعودون الى الساحة الإعلامية بقوة للتبشير بعودة الدكتاتورية و النظام الشمولي مرة أخرى سواء كان ذلك بصبغة بعثية أو إسلامية ... أو أي صبغة شمولية أخرى .
على المشّرع العراقي أن يولي إهتماما خاصا لمتابعة المال العام المصروف على وسائل إعلام الدولة ، و تبيان مجالات صرفه و جدواه ، و بيان ذلك الى الشعب .
إن إعتماد الكفاءات الإعلامية العراقية المشهود لها بالتاريخ المهني المحترف و النزاهة و الجدارة أمر لا يمكن التغاضي عنه في تعيين و إدارة وسائل الإعلام العائدة للدولة ، و لا يتأتى ذلك إلا بنبذ المحسوبية و الولاء الحزبي و إقصاء التحاصص الطائفي عن هذا القطاع ، و ما عدا ذلك فمن الأجدر بالدولة أن تتخلى عن دعم (إعلام رسمي) و عليها أن تتبنى مفهوم الإعلام الحر الممول من قبل القطاع الخاص ، لتدرء عن نفسها تهمة الفساد في المال العام .
7- تفعيل قانون مكافحة الترويج للإرهاب و ما يهدد السلم الأجتماعي و عدم التساهل مع أية وسيلة أعلامية و صحيفة تتبنى هذا الخطاب الخطير و أن تغلف بدعوات تبدو للظاهر دعوات سياسية مشروعة ، فعلى القضاء و الجهات المعنية بالترويج الإعلامي أن تولي هذا الأمر أهمية خاصة في ظل الظروف القلقة و الصعبة التي يعيشها العراق اليوم ، كما يجب إعتماد العدل في المراقبة و المحاسبة ، و نبذ سياسة الكيل بمكيالين .
8- ضرورة الإهتمام بكليات و معاهد الإعلام في البلاد والبحث عن مصادر تمويل أخرى لتطويرها و تحسين أداءها التعليمي بما يتناسب مع حجم الثورة التقنية و الإعلامية الكبرى التي يعيشها العالم في عصر العولمة ، يأتي ذلك من خلال مفاتحة و تعزيز العلاقات مع وسائل الإعلام الدولية التي لها الريادة في إعانة الإعلام النامي و مساعدته على النهوض .
إن تجربة وكالة رويترز بالتعاون مع مظمة اليونسكو في تأسيس وكالة ( أ صوات العراق ) ينبغي الأخذ بها و تعميمها من قبل المعنيين بوسائل الإعلام في عموم العراق .
9- لا بد من إتباع شروط مهنية- يجب أن تكون شروط غير سياسية - صارمة في منح الهوية الصحفية في نقابة الصحفيين ، كما يجب إتباع نفس الشروط المهنية الصارمة بمنح رخص العمل لوسائل الإعلام من قبل الجهات المعنية بمنح الرخص، لغرض حماية مهنة العمل الصحفي من المتطفلين و ذوي الأغراض الخاصة التي لا تنسجم مع أصول هذا النشاط .
Monday, July 14, 2008
المواقع الصحفية العراقية الإلكترونية و المسألة العراقية
المواقع الصحفية العراقية الإلكترونية والمسألة العراقية *
أحمد الصالح
تصدت جميع المواقع الصحفية العراقية لمجمل الأحداث والقضايا الجارية على الساحة العراقية منذ التاسع من نيسان 2003 و ما بعده ، و تناولتها بمختلف الفنون الصحفية المعروفة ، و تبعاً لتوجهات المواقع ومديات إلتزامها بأساسيات العمل الصحفي ، يمكن ملاحظة التباين الواضح بين مواقف المواقع و وجهات نظرها أزاء تلك القضايا والأحداث . و رغم تفاوت ظهور المواقع الصحفية على شبكة الإنترنت في أزمان مختلفة ، يمكن ملاحظة و تحديد إتجاهاتها و هويتها ، إذ أن معظم المواقع التزمت خطاباً اعلامياً و سياسياً محدداً قلما يتغير ، مع أن هناك مواقع تحاول التعامل مع مجمل الأحداث بمهنية و حيادية يستوجبها العمل الصحفي .
و يمكن إعتماد معيار أساسي يتلخص في مجموعة من القضايا والأحداث التي جرت على الساحة العراقية و من خلاله يمكن الكشف عن طبيعة تعامل المواقع الصحفية مع هذا المعيار ..
و فيما يلي عدد من الشخصيات والأحداث والقضايا المهمة التي رسمت معالم العهد الجديد في العراق ما بعد التاسع من نيسان 2003 ، و بيان طريقة معالجتها من قبل المواقع الصحفية العراقية :
· ( صدام حسين )
تعاملت المواقع الصحفية مع شخصية " صدام حسين" بطرق مختلفة و متباينة ، فبعضها تعامل معها على أساس خلفيته السياسية و البعض الآخر تعامل معها على أساس مهني بحت .
المواقع العائدة للأحزاب و الموالية سياسياً لأحد الأطراف المهتمة بالشأن العراقي ، تعاملت مع شخصية "صدام" على أساس خلفيتها و مرجعيتها السياسية، فالمواقع الإسلامية و العلمانية المعارضة لصدام و المؤيدة للعملية السياسية الجارية بعد إسقاط نظامه ، تصفه "بالدكتاتور" و "الطاغية" و "المستبد" و ما إلى ذلك من صفات سلبية ، في حين تصفه المواقع الموالية " لنظام صدام " أو المواقع الإسلامية المعارضة للعملية السياسية الجارية بعد إسقاط النظام " بالرئيس الشرعي " و " الرئيس الشهيد " و غيرها من الصفات الإيجابية .
أما المواقع المهنية فهي تتعامل مع صدام بوصفه رئيساً لنظام سابق أُطيح به و إبتدأ بعده بناء نظام آخر .
· (عملية حرية العراق)
هذه التسمية كانت قد أطلقتها الولايات المتحدة وحلفاؤها على العمليات العسكرية التي أطاحت بنظام صدام حسين في 9 نيسان 2003 و تم تداولها على نطاق واسع في وسائل الإعلام الأمريكية و الغربية .
أما المواقع الصحفية العراقية فقد أنقسمت فيما بينها في التعامل مع هذه التسمية منها من تعامل معها إيجابيا وإستخدمها في بداية إطلاقها ثم إستبدلها بصياغة إيجابية أخرى مثل ( تحرير العراق ، و عملية إسقاط نظام الإستبداد ) و هذه هي المواقع المساندة لقوات الحلفاء والمؤيدة لها في إسقاط نظام صدام والتي ما زالت مؤيدة للعملية السياسية الجارية في عهد العراق الجديد .
أما المواقع المعارضة لإسقاط نظام صدام والتي ما زالت معارضة للعملية السياسية الجارية في العراق الجديد، فإنها تعاملت سلبيا مع هذه التسمية وأستخدمت بدلاً عنها تسميات أخرى مثل ( إحتلال العراق ، والغزو الهمجي للعراق ... الخ ) و من هذه المواقع مَن تبنى نهجاً إسلامياً بشقيه السني والشيعي ، ومواقع أخرى تعود لحزب البعث و لمؤيدي النظام السابق ، وإن كانت توجهاتها غير إسلامية .
· (إحتلال العراق)
المواقع المساندة لقوات الحلفاء في الإطاحة بنظام صدام تعاملت سلبياً مع هذه العبارة و لم تستخدمها ، حتى صدور قرارمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 16 تشرين الأول 2003 الذي جاء بالأجماع في منح "الشرعية الدولية " للإحتلال الأمريكي للعراق حسب لوائح الأمم المتحدة، ثم بعد ذلك عادت لإستخدام تسمية "التحرير" بعد قيام الحاكم المدني " بول بريمر " بتسليم السيادة للعراقيين في 8 حزيران 2004 حيث صادق مجلس الأمن الدولي بالإجماع على قرار بإنهاء إحتلال العراق في 30 حزيران و نقل السيادة الى إدارة عراقية مؤقته .
أما المواقع الرافضة لعملية إسقاط نظام صدام فهي ما زالت تتعامل إيجابيا مع تسمية "الإحتلال" و تستخدمها بشكل مركزي في خطابها الإعلامي حتى بعد تسليم السيادة للعراقيين و قيام الأمم المتحدة بإستصدار قرار إنهاء الإحتلال السالف الذكر .
· ( محاكمة صدام حسين وإعدامه )
المواقع الموالية للعملية السياسية الجارية تعاملت إيجابيا مع محاكمة رئيس النظام السابق وتابعت وقائعها ، مع بعض الإنتقادات لمجريات المحكمة و ماعدّته بعض التجاوزات القانونية والتساهل الذي أبداه القضاة الذين توالوا على المحاكمة ، ثم أيدّت بشدة حكم المحكمة بالإعدام على صدام و عاضدته .
أما المواقع غيرالموالية للعهد الجديد والتي ترفض العملية السياسية فهي أيضا رفضت المحاكمة و عدّتها باطلة و وصفتها بكونها "لعبة" من ألاعيب الإحتلال ، ودعت الى إطلاق سراح صدام ، ثم إستنكرت إعدامه في أول يوم العيد، وعدّته متعجلاً و مسيئاً للقيم الإسلامية التي يؤمن بها المجتمع العراقي والعربي .
· ( الديمقراطية في العراق )
أبدت المواقع الموالية للعملية السياسية الجارية بعد إسقاط نظام صدام ، تأييدها و مساندتها للخطوات الديمقراطية التي تبناها العهد الجديد في جميع مراحلها من تشكيل مجلس الحكم الى الجمعية الوطنية الى الإنتخابات العامة الى الإستفتاء على الدستور وإنتخابات مجالس المحافظات ، و رغم أنها في العادة توجه إنتقاداتها لبعض الأجراءات والمناقشات التي تجري في مجلس النواب العراقي أو في جميع مفاصل العملية السياسية الجديدة ، لكنها تعد إنتقاداتها ضمن التوجه الديمقراطي العام للبلاد .
أما المواقع الرافضة للعملية السياسية سواء كانت إسلامية متطرفة أوموالية للنظام السابق ، فإنها سخرت من الديمقراطية كمفهوم (مستورد) وغير قابل للعيش في بيئة إسلامية ، أو أنها عدّتها " مسرحية " من صنع الإحتلال لغرض صرف أنظار الناس عن (جرائمه) .
أما المواقع "البعثية" فهي لا تعترف سوى بشرعية النظام السابق وترفض كل ما بعده .
· (قوات الحرس الوطني)
رحبت المواقع الموالية بتشكيل هذه القوات كبديل للجيش السابق و تعاملت معها إيجابيا و ساندت عملياتها القتالية ضد أعداء النظام الجديد . أما المواقع الرافضة للعملية السياسية فقد رفضت الإعتراف بهذه القوات و تعاملت معها سلبياً و أطلقت عليها تسمية " الحرس الوثني " بقصد تحقيرها و التقليل من شأنها ، بل ودعت الى محاربتها و القضاء عليها بوصفها "صنيعة الإحتلال".
· (القاعدة و " المجاهدين العرب ")
المواقع الموالية للعملية السياسية، تعاملت مع تنظيم" القاعدة " وما يسمى " بالمجاهدين العرب " تعاملا سلبياً و وصفتهم بالإرهابييين المجرمين ، و إستنكرت عملياتهم القتالية و تفجيراتهم في أوساط المدنيين و تخريبهم المتعمد لمصالح العراقيين وعهدهم الجديد، و شجّعت على مقاتلتهم و القبض عليهم و تقديمهم للعدالة و أدانت دول الجوار التي سهّلت دخولهم للعراق أو ساندتهم إعلامياً و ماليا ً ، و تعرضت بعض المواقع بالنقد للمذهب " الوهابي " الذي ينتمي إليه تنظيم القاعدة من الناحية المذهبية الدينية .
أما المواقع الرافضة للعملية السياسية فقد تباينت مواقفها من تنظيم القاعدة و مقاتليه ، و تبعاً لتطورات العملية السياسية و تتابع مراحلها الزمنية ، فهناك من ساند هذا التنظيم بشكل تام و وصف مقاتليه " بالمجاهدين " أو " المقاومين " ودعا العراقيين الى مناصرته ، و هناك من إنتقل بموقفه من تنظيم "القاعدة" من المساندة في الأيام الإولى للتمرد على العهد الجديد، ثم ما لبث أن إتخذ موقفا منتقداً للتنظيم ، و تحول فيما بعد الى الإستنكار والإدانه والدعوة الى مقاتلته على خلفية تطورات العملية السياسية و تغير مواقف بعض القوى والحركات خاصة في المنطقة الغربية و خاصة أولئك الذين أطلق عليهم فيما بعد "بمجالس الصحوات" .
· ( السيد السيستاني و المرجعية الشيعية)
تعاملت المواقع الموالية إيجابيا مع المرجعية الشيعية و "السيد السستاني" وعاضدتها في مواقفها الإيجابية من العملية السياسية و دعمها للإنتخابات و سن الدستور الدائم للبلاد ، و أثنت على أدائها في مواقفها المترافقة مع تطورات الأحداث ، و بعضها عظمت من دورها و إعتبرتها الهادية والموجهة للجميع والحريصة على حقوق العراقيين جميعاً .
أما المواقع الرافضة ، فقد تعاملت سلبياً مع المرجعية وأطلقت أقذع الصفات عليها وعلى السيد السستاني و حملتها _ و حملته _ المسؤولية الأولى في" إحتلال " العراق ، و طالبت بإقصاء المرجعية و طرد رجال الدين الشيعة المنتسبين إليها بوصفهم غيرعراقيين و يحملون جنسيات أجنبية .
ملاحظات و سمات
لقد أقام العراقيون بمساعدة المجتمع الدولي ممثلا بالأمم المتحدة و بمساندة قوية من قبل الولايات المتحدة ، نموذجاً للحكم الديمقراطي في بلادهم، يعد فريداً من نوعه في الشرق الأوسط و يعد سابقة غير مطروقة في المنطقة عبر حقب عديدة من تاريخها .
فهل النموذج الديمقراطي الذي يشهده العراق الجديد يشبه أو يحاكي النموذج الغربي للديمقراطية ، و هل الممارسات الديمقراطية المتاحة للعراقيين تحاكي الممارسات الديمقراطية المتيسرة للغربيين . و هل النشاط الصحفي الحرالذي يشهده العراق الجديد اليوم يحاكي النموذج الغربي للحرية الصحفية ؟؟
نموذج الحكم الديمقراطي الجديد في العراق أتاح مساحة كبيرة من الحريات للعمل الصحفي و شرع جملة تشريعات تضمن هذه الحرية و تحميها.
لكن هل التشريعات و القوانين كافية لضمان حرية العمل الصحفي و تداول الأخبار بحرية في الصحافة العراقية ؟
و بناء على ما تقدم فإن المتابع و المراقب لأداء المواقع الصحفية العراقية على شبكة الإنترنت يلاحظ و بشكل عام ، جملة سمات أساسية فيما يتعلق في نشر الأخبار و أسلوب معالجتها :
1- إن معظم الأخبار المنشورة غير أصيلة و منقولة عن وسائل إعلام أخرى مثل وكالات الأنباء و قنوات التلفزيون و الإذاعات مما يفقدها عناصر التوقيت والسرعة والتشويق، و هذا يعني أنها أخبار جاهزة، و عيب هذا النوع من الأخبار أنها تكون دائما في متناول أيدي جميع الصحفيين بحيث لا يستطيع الصحفي أن ينفرد بنشرها دون غيره من الصحف . و الإعتماد كثيراً على وسائل أعلامية أخرى ، حتماً يخلق صحافة مزيفة و غيرأصيلة .
2- يغلب على الأخبار المنشورة طابع الإنتقاء والتمييز ليس على أساس القيمة الخبرية المرتكزة الى عناصر الخبر ، إنما على أساس سياسة الموقع و توجهاته السياسية والدينية المذهبية و الحزبية ، مما يفقد الموقع صفة الحياد الموضوعي الذي يستوجبه العمل الصحفي .
3- إرتفاع نسبة عناصر الإثارة والشهرة والأهمية و التشويق في المواقع الصحفية المنحازة حزبيا أو مذهبيا ، و إنخفاض نسبة عناصر التوقيت والمصلحة الإجتماعية والوطنية في هذه المواقع .
4- المواقع غير الحزبية تسعى الى إعتماد العناصر الأساسية في أخبارها المنشورة ، و تحاول تأسيس تقاليد مهنية صحيحة .
5- رغم التوسع الكبير جداً في العمل الصحفي الحر في العراق الجديد لكن يلاحظ إنحسار الأخبار المبدعة الأصيلة تلك التي يبذل المخبر الصحفي جهداً كبيراً في الحصول عليها و إستكمالها بالمعلومات الكافية .
و قد يعود السبب في هذا الإنحسار الى تدهور الوضع الأمني في العراق و إستهداف الصحفيين بشكل خاص من قبل الجماعات الأرهابية و المسلحة مما أعاق الى حد كبير من نشاط المخبريين و المراسلين الصحفيين وعطّل حركتهم في الحصول على الأخبار الجديدة.
إن تحسن الوضع الأمني سيعدل هذه الملاحظة و سييسر للمخبرين و المراسلين الصحفيين العراقيين في ميادين الأحداث، الفرصة في إنتاج أخبار أصيلة .
6- إنتشار الخبر المحرف على حساب الخبر الموضوعي في المواقع الصحفية الحزبية و المنحازة على أساس ديني مذهبي، فرغم أن الكثير من الأخبار المنشورة في هذه المواقع منقولة من وسائل إعلامية اخرى ، لكنها تتعرض الى إعتداءات تجعل منها أخبار محرفة ، مثل حذف بعض الوقائع لا بقصد الإختصار و إنما بقصد إخفاء هذه الوقائع عن القراء !
و إختلاق بعض الوقائع التي لم ترد بالفعل في الخبر عند نشره .
و تضمين الخبر رأيا أو وجهة نظر لهدف التأثير بهدف معين ، و بذلك يتعرض الخبر الى عملية تشويه متعمدة تفقده موضوعيته من ناحية و دقته من ناحية ثانية . بحيث يصل الخبر الى القارئ لا كما حدث بالفعل في الواقع و إنما كما تريده الصحيفة أن يصل الى القراء، وهوالأمر الذي من شأنه تضليل القراء و خلق رأي عام موجه في المجتمع . و هوالشيء الذي يمكن أن ينعكس أخيرا في فقد القارئ لثقته في الصحيفة وفي موقعها، و هو أكبر عقاب يمكن أن يوجه الى صحيفة تريد أن تحترم إسمها !
7- تميل معظم الشخصيات السياسية البارزة في العراق الجديد الى تزويد الصحف الأجنبية و العربية بالتصريحات على حساب الصحف المحلية ، مما يعرض الأخيرة الى شحة واضحة في الأخبار المبدعة الجديدة .
و قد يعود سبب إهتمام الشخصيات العراقية بالوسائل الإعلامية غير المحلية و ذلك لسعة إنتشارالإولى و ضخامة انتاجها ، بقدر كاف لإغراء الشخصيات في حصاد التأثير والشهرة ، لكن إتباع هذا النهج سيؤثر سلبياً على الصحف المحلية و يعيق نموها و تطورها و إنتشارها .
8- تهتم الصحف الحزبية و المنحازة سياسياً بأخبار الشخصيات أكثر من إهتمامها بالأحداث ، في حين تهتم المواقع الصحفية المهنية بشكل متوازن بين أخبار الشخصيات و الأخبار المستمدة من الأحداث .
إن أهتمام المواقع الحزبية بأخبارالشخصيات، الغرض منه سرعة التأثير في أوساط القراء قليلي التعليم و الثقافة الذين يكونون في العادة شغوفون بمتابعة أخبار الشخصيات البارزة بدلاً من إشغال الفكر في تحليل الأحداث و تتبع تفاعلاتها ، كما يفعل القراء المثقفون و أصحاب التعليم العالي في العادة .
9- لا تشير الكثير من المواقع الصحفية الى مصادر الأخبار التي تنشرها مما يضعف مصداقيتها و يجعلها أقرب الى ترويج الإشاعات منها الى نشرالأخبارالصحفية ، ورغم أن الأخبار القليلة المصداقية من هذا النوع قد تلقى رواجاً في أوساط العراقيين في ظروف التوترالأمني و عدم إستتاب الأوضاع ، فهي في الواقع تمنح ( نجاحاً ) مزيفاً للصحف التي تروج هذه الأخبار \ الأشاعات ، و مع مرور الزمن و زيادة رقعة التنافس المتنامية بإضطراد فإن هذه الصحف سوف تفقد مصداقيتها لدى القارئ مما يؤدي بالتالي الى فشلها .
الأخراج الفني للمواقع
تنزع جميع المواقع الصحفية الإلكترونية العراقية الى إعتماد رموز عراقية مألوفة و متداولة بطوابعها المختلفة ، التاريخية و الجغرافية و التراثية و الفلكلورية ، و البيئية ، و السياسية .
و تبرزها في صور أو أشكال مختلفة ، تعبر عن هوية الموقع الوطنية و إنتماءه السياسي و الفكري و الديني و المذهبي و الحزبي .
بعض المواقع واكبت التطور المتجدد في الإخراج الفني وإستخدام التقنيات المستحدثة و البعض الأخر ما زال يعتمد الأشكال التقليدية و البدائية في العرض و الأخراج ، كل حسب إمكانياته المادية و حجم تمويله و كفاءة المشرفين على إدارته .
فأدخلت بعض المواقع تقنيات حديثة ، مثل شريط الأخبار ، و الصور المتغيرة ، و الفلاش ، و بعضها إستضاف تسجيلات فديو أو تسجيلات إذاعية ، واعتماد التفاعلية مع القراء فضلاً عن إستضافة مواقع أخرى صديقة .
و إستنادا الى نتائج مسح المواقع الصحفية الإلكترونية العراقية و رصد أستخدامها للتقنيات ، فقد لوحظ أن إستخدام المواقع للتقنيات الحديثة في العرض متفاوتة من حيث النوع و الكم ، و قد يعود ذلك الى حجم التمويل من جهة أو للمعرفة التقنية من عدمها لدى إدارة المواقع، بأهمية إستخدام هذه التقنيات لرفع مستوى التأثير في المتلقي و إيصال الخطاب بأقوى صوره .
أكثر التقنيات المستخدمة شيوعاً في المواقع العراقية هي "الصور" ، و يعود ذلك لسهولة إستخدامها و قوة تأثيرها في إيصال الخطاب الى المتلقي خاصة عندما يكون الجمهور المستهدف على الأغلب قليل التعليم أو أنه لا يحفل كثيراً بالموضوعات المكتوبة تبعاً لطبيعة التصفح على الإنترنت الذي أتاح خياراً واسعاً جداً للمتصفح ، مما أبعده الى حدما عن التركيز على الكلام المكتوب و إنصراف ذهنه الى الصور و الأشكال المرئية التي تكون في العادة أكثر جاذبية و تأثير من الكتابة ، و قديماً قيل إن للصوة المنشورة تأثير على القارئ أكثر من ألف كلمة مكتوبة .
يأتي إستخدام شريط الأخبار المتحرك بالدرجة الثانية في المواقع ، و هو يعبر عن مواكبة الموقع لآخر الأخبار و مستجداتها ، و التي تتطلب متابعة و تحديث مستمرين و المواقع تعمل في سوق منافسة قوي جدا على شبكة الإنترنت و بين وسائل الإعلام الأخرى خاصة القنوات الفضائية و الإذاعات ، التي تتسابق على نشر الأخبار الجديدة دوماً . قد يكتفي المتصفح لمواقع الشبكة اليوم في قراءة شريط الأخبار المتحرك ، فإن كان بقدر من الكفاءة و السعة و النضج و الدقة و السرعة في نقل و عرض الأخبار الجديدة سيكون عاملاً مؤثراً في كسب المتصفح لهذا الموقع و تفضيله على سواه .
إستخدام تقنية الفلاش في المواقع العراقية ما زالت شحيحة ، ربما يعود ذلك الى حداثة هذه التقنية في الإستخدام عموما ، و قد تعمد المواقع العراقية الى إستخدامها مع مرور الزمن و تراكم الخبرة
الصحافة في عهد البعث الثاني في العراق 1968-2003
الصحافة في عهد البعث الثاني في العراق 1968-2003
أحمد الصالح
تقديم
عَرف العراق الصحافة أول مرة بصدور جريدة (الزوراء) باللغة العربية في عام 1869 ابان سلطة الوالي مدحت باشا، وبدأ العراقيون يحتفلون في 15 حزيران من كل عام عيداً للصحافة منذ قيام الاحتفالية بمئويتها عام 1969 . كما عَرف العراق التلفاز عام 1956، ويُعتبر من أوائل الدول العربية التي تأسست فيها هذه الوسيلة الإعلامية المؤثرة، وكان قد عَرف أيضا البث السمعي (الراديو) في العام 1936 حيث يعد من دول الشرق الأوسط الرائدة في هذا المجال.وخضعت الوسيلتان السمعية والبصرية منذ تأسيسهما في العراق الى السيطرة الحكومية وفق تشريعات خاصة، بيد أن الصحافة الورقية يمكن استثناءها من هذه السيطرة المباشرة، سوى القليل من الصحف التي أصدرتها الجهات الحكومية في مراحل تطور العراق السياسي في العهد الملكي الذي امتد حتى قيام الجمهورية في 14 تموز 1958. ثم ليُحصر امتياز الأصدار الصحفي في العهود اللاحقة بيد الجهات الحكومية والمنظمات المرتبطة بها عدا بعض الإستثناءات في هذا العهد أو ذاك .
كانت الصحافة العراقية إمتداد للنزاع السياسي المباشر عقب إنشاء الدولة العراقية ، هذا إذا إستثنينا بقدر ما الصحافة الساخرة التي كانت بدورها مرآةً تهكمية مسيسة في الكثير من الأحيان .ولم يتح للبلاد بلورة ما يسمى " السلطة الرابعة " التي يتعين أن تراقب السلطات الثلاث الأخرى كما يفترض . ومن هذا الموقع واجهت المؤسسة الإعلامية سلطة الدولة الفتية وغير الخبيرة وأحياناً المنحازة الى " العهد " تماماً كما واجهت أحزاباً تقع المنازعة السياسية في صلب عملها ومقدمة أولوياتها مما أفضى في النهاية الى دمج وإخضاع السلطة الرابعة لتأثيرهما بل عمدت الدولة في خضم الصراع ولا سيما خلال الخمسينات الى الغائها بالكامل. ولهذا لم تتمكن الصحافة من تطوير عدتها المهنية بحيث تقوم بالواجبات التي تتحملها مثيلاتها في الديمقراطيات البرلمانية الإخرى . ومع نشوء أجيال من الصحافيين المهنيين والمشاهير من رحم تلك الصحافة السياسية ، إلا انهم كانوا بمقاييس الإحتراف محض معلقين ومحللين سياسيين أكثر منهم أركان صحافة مهنية تقليدية بالمعنى الواسع .(1)
تشريعات قديمة للإعلام
أصدرت السلطات الحاكمة في العراق تشريعات و قوانين تنظم عملية إصدار الصحف منذ العهد العثماني، حيث صدر أول نظام لها بتشريع قانون المطبوعات في 16 تموز1909 بعد الإنقلاب الدستوري لعام 1908. وكان قد صدر خلال ثلاث سنوات من صدور هذا القانون 37 جريدة كان أولها جريدة (بغداد) كأول صحيفة شعبية تصبح ملكاً خاصاً.من مواد هذا القانون:- يجوز أن تعطل مؤقتا الجريدة أو المجلة التي تنشر ما من شأنه أن يخل بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي. (السجن من 3 اشهرالى 3 سنوات)وشرع القضاء العراقي أول قانون عرف بقانون المطبوعات رقم 82 لسنة 1931 والذي يعتبر صدوره من أهم العوامل أو الاسباب التي ادت الى تخلف الصحافة العراقية، خاصة فيما يتعلق بمواد التعطيل الإداري وإلغاء الإمتياز، حيث جاء في فقرات المادة 18 منه: يجوز لوزير الداخلية إنزال العقوبة أذا:- نشر ما يخلُ بأمن الدولة الداخلي والخارجي.- ما يسبب الكراهية والبغضاء بين أفراد الشعب وطبقاته بصورة تخل بأمن الدولة.- ما يؤثر على الصلات الودية بين العراق والدول الأجنبية.- ما يخالف الحقيقة بقصد إثارة الرأي العام.- ما يخل بالآداب والأخلاق العامة.- ما يسبب كراهية الحكومة أو يمس كرامتها.بقي هذا القانون سارياً حتى عام 1954، عندما عدّل بقانون آخر لم يختلف عن السابق سوى أن بعض الأحكام الخاصة بالغرامة والسجن قد إرتفعت. وإرتبطت بعد صدر القانون كل الصحف والمجلات الصادرة في العراق مباشرة بمديرية الدعاية التي انشأتها الحكومة وربطتها بدورها بوزارة الداخلية.
بعد 14 تموز 1958 أنشأت حكومة العهد الجديد أول مرة (وزارة الارشاد) التي أشرفت وسيطرت بصورة تكاد تكون تامة عل وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية.
وبعيد إنقلاب 8 شباط 1963، وفي عهد حكم البعث الأول ألغت حكومة الإنقلاب جميع الصحف والمجلات في العراق، والتي دامت في السلطة تسعة أشهر فقط، على أثر قيام عبد السلام عارف بإنقلاب تشرين وإزاحة حزب البعث العربي الاشتراكي عن الحكم.في 28 نيسان 1964، صدر قانون جديد حمل الرقم 53 ، لم يختلف في جوهره عن القوانين السابقة إلا ما يتعلق بإجازة المطبوع السياسي، حيث نصت المادة على أن يكون عدد أعضاء أصحاب الإمتياز خمسة أفراد بدلاً من واحد فقط، شريطة أن لا يكونون من موظفي الدولة، إثنان منهم يجب أن يكونا من الذين مارسوا المهنة وأن يكون رئيس التحرير من حاملي شهادة كلية الحقوق أو أية شهادة جامعية عليا.
تشريعات جديدة في عهد البعث الثاني
وتبعاً لما تقدم فقد دخل النشاط الصحفي في العراق حقبة حكم البعث الثاني أثر إنقلاب 17 تموز 1968 و هو يحمل معه أرث مشوش وغير مكتمل مهنياً و تأسيسياً لصحافة مستقلة منذ نشؤ الدولة العراقية الحديثة في العام 1921.
و كان لابد للإنقلابيين الجدد أن يصدروا قانوناً جديداً للمطبوعات ينسجم مع توجهات نظامهم الإقصائية والإستئثار بالحكم لصالح حزب البعث الذي شارك في الأنقلاب ثم إستلم مقاليد الأمور تماماً في أنقلاب آخر في 30 تموز 1968 حيث تمكن من إقصاء شركاؤه الفاعلين و الذين كان لهم الدور الأكبر في الإطاحة بنظام عبد الرحمن عارف و هما (عبد الرزاق النايف و ابراهيم الداوود) .
ففي 5 كانون الثاني 1969، نشرت جريدة (الوقائع العراقية) الرسمية الصادرة عن دائرة المطبوعات، نص قانون المطبوعات رقم 206 لعام 1968 الذي بقي ساري المفعول حتى سقوط النظام في 9 نيسان 2003.(2)و هو القانون الذي تم الركون اليه آنذاك في رفع الدعاوى عن ما ينشر في الصحف من (أساءات مفترضة) لنظام الحكم أو لرجاله وهو مليء بالممنوعات والعقوبات والمحرمات وهو أحد أهم القوانين التي جعلت الكتابة آنذاك ورطة ما بعدها ورطة فصاحب المطبوع ورئيس التحرير وكاتب المقال كلهم مجرمون إذا مس المقال شعرة من رأس النظام.
كما صدر أيضا قانون نقابة الصحفيين رقم 178 لسنة 1969 وتعديلاته ، وهو قانون ملغوم بالدس لصالح ( الحزب والثورة) كالتضليل وإستغلال الصحافة بما يفيد جهة معادية أو إثارة الغرائز وما الى ذلك.
لكن يجدر الإشارة الى أن نقابة الصحفيين خلال حقبة "البعث" إستطاعت أن تحقق بعض المطالب المهنية لقسم من الصحفيين خاصة فيما يتعلق بتوزيع الأراضي و على عدة مراحل كان آخرها في مطلع التسعينات . كما تم إصدار قانون صندوق تقاعد الصحفيين الذي كان يؤمل له أن يكرّم الصحفيين في شيخوختهم و يضمن لهم العيش الطيب، لكنه و منذ صدوره حتى اليوم لا يتقاضى الصحفيون بموجبه إلا رواتب بائسة لا تكاد تسد احتياجاتهم ليوم واحد .و هناك أيضا ً مواد من قانون العقوبات الرقم 111 لسنة 1969 والذي نظم أحكام المسؤولية في جرائم النشر في المواد( 81 ـ 84) قرر معاقبة رئيس تحرير الصحيفة بصفته فاعلاً أصلياً للجرائم التي ترتكب بواسطة النشر في صحيفته واذا لم يكن ثمة رئيس تحرير يعاقب المحرر المسؤول عن القسم الذي حصل فيه النشر فضلاً عن شمول الصحفي بجريمة القذف في المادة 433وجريمة السب والشتم في المادة 434 من القانون ذاته.
جرائد و مجلات
منذ بداية عهد إنقلاب 1968 تولت الجهات الحكومية و المنظمات المهنية و النقابية المرتبطة بحزب البعث فقط إصدار الصحف والمطبوعات فضلاً عن سيطرة السلطة سيطرة تامة على الإذاعة و التلفزيون ، و كان التلفزيون بقناتين أرضيتين فقط تبث لساعات محددة من النهار و المساء ولحقتهما قناة تلفزيونية ثالثة في عقد التسعينيات سميت بتلفزيون (الشباب) التي كانت عائديتها "لعدي" الإبن الأكبر لرئيس النظام صدام ، كما شهد عقد التسعينات إنظلاق قناة (تلفزيون بغداد الثقافي) الذي ما لبث ان تحول الى (قناة العراق الفضائية) و التي إستمر بثها حتى سقوط النظام في 2003 . أما (إذاعة بغداد) والتي تأسست في العام 1936 أستمرت ببث برامجها ، ثم أقدمت سلطة البعث على إطلاق إذاعة( صوت الجماهير) . وفي التسعينات أطلق "عدي صدام" إذاعة (الشباب) .
(جريدة الجمهورية) الرسمية التي سبق و أن صدرت في بداية العهد الجمهوري في العام 1958 إستمر صدورها في ظل سلطة البعث و لكن بإدارة جديدة و بتوجهات تنسجم مع خطاب النظام الجديد ، ثم أقدمت السلطة و في وقت مبكر من إستلامها لمقاليد الحكم على تأسيس (دار الثورة للصحافة و النشر) بميزانية باذخة و يسرّت لها مباني ضخمة و مطبعة كبيرة وإستقدمت لها كتّاب عراقيين وعرب أعلنوا إنتمائهم الصريح للبعث وأيدلوجيته رغم أن البعض منهم كانوا محسوبين على الشيوعيين في وقت سابق ، و صدر عن الدار جريدة ( الثورة ) اليومية بوصفها جريدة ناطقة بإسم حزب البعث الحاكم .
و جريدة (القادسية) التي صدرت عن وزارة الدفاع مع بداية الحرب العراقية- الإيرانية عام 1980 و صدرعنها عدد الأحد ( القادسية الإسبوعي) الموسع والمنوع فيما بعد .
كما صدرت عن وزارة الدفاع مجلة (حراس الوطن) التي كانت متخصصة بالشؤون العسكرية و تصدر شهرياً ثم تحولت الى إسبوعية في العام 1989 وأصبحت مجلة منوعة عامة ونافست مجلة (الف باء) بل فاقتها في التوزيع في السوق بعد صدور الأعداد القليلة الأولى منها ، وتم إغلاقها في أواخر العام 1990 بعد غزو النظام للكويت .
و أثر بيان آذار في العام 1970 الذي وضع أسس التحالف بين حزب البعث الحاكم و الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة الملا مصطفى البارزاني صدرت جر يدة (التآخي) باللغة العربية لتكن ناطقة باسم الحزب الكردي المذكور. و بعد إعلان ميثاق العمل الوطني عام 1972 والذي مهد الطريق لقيام التحالف الجبهوي بين حزب البعث الحاكم و الحزب الشيوعي العراقي في العام 1973 ، صدرت جريدة (الفكر الجديد) الأسبوعية في العام 1972 ثم تبعتها جريدة (طريق الشعب) اليومية في العام 1973 أثر إعلان الجبهة بين الحزبين في ذلك العام ، والجريدتان ناطقتان بإسم الحزب الشيوعي العراقي . و هناك أيضا مجلة (الثقافة الجديدة) التي رأس تحريرها "الدكتور صلاح خالص" و هي مطبوع أهلي ، تبنت توجهات يسارية و قريبة من الخطاب السياسي للشيوعيين .
في العام 1979 و بعد إستحواذ "صدام حسين" على السلطة بشكل مطلق وحيث قُضي على التحالف الجبهوي بين البعثيين والشيوعيين قبل ذلك بأقل من عام ، توقفت جريدتا (الفكر الجديد) و (طريق الشعب) عن الصدور العلني و إستمرت مجلة (الثقافة الجديدة) بالصدور برئاسة التحرير نفسها الى أواسط الثمانينات لتتوقف كلياً فيما بعد وفاة رئيس تحريرها ثم تخلي زوجته عنها بعد صدورعدة أعداد منها. وإثر إنهيارالتحالف بين سلطة البعث و قيادة البارزاني توقفت جريدة (التآخي) عن الصدور لتحل محلها جريدة (العراق) بإدارة جديدة و بتوجهات منسجمة مع الخطاب السياسي للنظام خاصة في ما يتعلق برؤيته للمسألة الكردية .
كما صدرت صحف و مجلات عديدة ناطقة بإسم النقابات والمنظمات الجماهيرية التي أسستها السلطة الجديدة للسيطرة على قطاعات المجتمع كافة وللترويج لسياسات حزب البعث الحاكم .
فهناك مجلة (صوت الطلبة) ومجلة (المرأة) ومجلة (وعي العمال) ومجلة (صوت الفلاح) و مجلة ( المصور ) وواضح من عناوينها إنها تدل على الشرائح و القطاعات الناطقة بإسمها بالإضافة الى عشرات المجلات التابعة لمؤسسات الدولة و المنظمات والإتحادات المهنية العراقية والعربية التي كانت في ضيافة نظام الحكم في بغداد . و هناك أيضا جريدة( بغداد اوبزرفر) باللغة الأنكليزية تصدر عن دار الجماهير الحكومية .
و في عقد الثمانينات صدرت جريدة (البعث الرياضي) التي يشرف عليها "عدي إبن رئيس النظام" لتنمو مع السنين وتصبح في ما بعد مؤسسة كبيرة، تضم (نادي الرشيد الرياضي) ثم (اللجنة الأولمبية الرياضية) ثم في التسعينات أصدر "عدي" جريدة (بابل) اليومية التي أتاح لها النظام المجال واسعاً لإنتقاد الأداء الحكومي في قطاع الخدمات خاصة ، عدا التعرض الى شخص رأس النظام و المقربين منه من أفراد أسرته ، ثم مجلة (الرافدين الإسبوعية) و(إذاعة وتلفزيون الشباب) و (التجمع الثقافي) و ( نقابة الصحفيين ) الذي ضم جميع المنظمات المهنية الناشطة في ميدان الثقافة والفنون ، و جريدة ( الزوراء ) الناطقة بإسم نقابة الصحفيين ، وعدد كبيرمن الصحف الإسبوعية القطاعية الصادرة في التسعينات و جميع هذه المؤسسات تحت إشراف "عدي صدام حسين" و ما يُجنى من أرباح نشاطاتها التجارية يعود لحسابه الشخصي .
ملامح مرحلة
في تموز 1979 حيث تسلم "صدام حسين" رئاسة الجمهورية وحزب البعث من سلفه "أحمد حسن البكر"بإنقلاب غير معلن ، إتّبع الحاكم الجديد سياسة "التبعيث" و ( الفكر الواحد ) في مجالات الثقافة والإعلام والتربية، وربط وسائل الإعلام جميعها بوزارة الإعلام والثقافة التي تناوب على كرسيها كل من:
شفيق الكمالي : شاعر وعضو قيادتين قومية وقطرية. طارق عزيز: رئيس تحرير جريدة الثورة السابق ووزير خارجية لاحقاً.سعد قاسم حمودي: رئيس تحرير جريدة الجمهورية ونقيب الصحفيين.حامد يوسف حمادي: المستشار الدائم في القصر الجمهوري.لطيف نصيف جاسم: رئيس تحرير جريدة صوت الفلاح وعضو منظمة حنين الأمنية.محمد سعيد الصحاف: مدير مؤسسة الإذاعة والتلفزيون السابق ووزير الخارجية لاحقاً.واتّبع هؤلاء الوزراء المتعاقبون سياسة الولاء التام "لصدام حسين"، وأسبغوا عليه عشرات الألقاب التي كان يطرب لها الحاكم الفرد، وصعّدوا من أساليب تدبيج المديح والتمجيد، وقاموا بالدفاع عن النظام وحروبه: (الحرب مع إيران 1980-1988 ؛ اجتياح كردستان العراق ومجزرة مدينة حلبجة الكردية بالسلاح الكيمياوي – عمليات الأنفال التي راح ضحيتها 182 الف مواطن كردي 1988 – غزو الكويت 1990 ، تجفيف الأهوار في الجنوب و تشريد سكانها فضلا عن تصفية كل المعارضين للنظام ).
كما كان لمكتبي الإعلام في القيادة القومية و القطرية لحزب البعث و التي كان يشرف عليهما صدام بشكل مباشر منذ وقت مبكر في السبعينات حتى سقوط النظام أثراً بالغاً في رسم السياسة الإعلامية في البلاد . كان التلفزيون العراقي يبث لقاءات "صدام حسين" وخطبه وترؤسه إجتماعات قيادته ومجلس الوزراء وغيرها من الفعاليات ثلاث مرات في اليوم الواحد أو أكثر. كما تبث اذاعة بغداد خطبه في كل نشرة إخبارية على مدار اليوم الواحد.كانت كل الصحف الصادرة تواصل وفي كل عدد ،منذ تولي صدام الحكم في 1979 وحتى يوم سقوطه، نشر صورة لصدام وبحجم كبير في صدر صفحاتها الإولى وبأوضاع مختلفة ( لباس عسكري – زي قبائلي – قيافة مدنية بقبعة وبالكوفية وبدونهما في أكثر الاوقات).وصدرت في عهد "صدام" 31 مادة إعدام في قانون العقوبات البغدادي، كان نصيب الإعلام منها البعض والتي قتل بحيثياتها وبلا سبب، العشرات من الصحفيين والمثقفين، كان" ضرغام هاشم" سكرتير تحرير مجلة (حراس الوطن) أحد الذين أُعدموا في السجون سراً بعد إنتفاضة أذار 1991 وهي الجريمة التي أثارت حفيظة الإعلاميين العراقيين والعرب وإستنكرتها منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان في أرجاء العالم آنذاك. ومن تلك المواد التي طالت المواطن العراقي:- كل من يرمي عن قصد الجريدة التي تحتوي على صورة رئيس الجمهورية في الشارع.- ومن ينتقد أو يطعن بالرئيس وبالحزب القائد.- ومن يهاجم أو يوجه النقد الى الوزراء وأعضاء القيادة القطرية لحزب البعث.- ومن يهين القوات المسلحة.
ولم يكتف النظام بسياسة (التبعيث) وغسل الأدمغة وإعلان الولاء المطلق لصدام ومبايعته التي تكون نسبة المصوتين له في العادة 99،9 دون وجود أي مرشح آخر ، بل قام بسن قانون يفرض على المسؤولين والمواطنين ووسائل الإعلام إضفاء لقب (أستاذ) على إسم نجله عدي.(3 )
و يذكر أن عزت الدوري نائب صدام و المشرف على الإنتخابات في أواسط التسعينات أستكثر على ما نسبته 0, 04 من الناخبين العراقيين ممن تركوا أوراقهم بيضاء في صندوق الإنتخابات، هذا الموقف المعارض الصامت للنظام ووصفهم بتصريح رسمي ( أنهم بلا أخلاق!! ).
طبعاً من الصعب الحكم على حقبة أمتدت 53 سنة من حكم البعث في العراق على أنها لم تشهد ظهور كفاءات صحفية جيدة في شتى ميادين النشر والأخراج الصحفي ، بيد أن أصوات بعضهم غيبتها السجون و الإعدامات ( غيّب النظام الكاتب البارز و الصحفي "عزيز السيد جاسم" في السجن لسنوات حتى تأكد إعدامه بعد الإطاحة بالنظام كما أقدم النظام على إعدام الخطاط و المصمم الفني "سامي العتابي") و آخرين آثروا الصمت و الكثير منهم إضطروا لمغادرة بلادهم الى المنافي . كان الصحفيون المحترفون طيلة كل تلك السنوات ( يتعذبون ) وهم يرون كفاءاتهم تُهدر في صحف متشابهة من حيث الشكل والمضمون، يتألمون وهم يرون صحفاً متطورة تصدر في بلدان لم تكن تعرف الصحافة يوم كان في العراق صحف تُسقط حكومات. وبمرور الزمن أَحكمت الأجهزة الأمنية يدها على كل الحلقات وأصبح الإستشهاد بأقوال (القائد) هو وحده يجنب الصحفيين المساءلة والتشكيك في المواقف الوطنية. وتمادى الحاكم بالإستهانة بالصحفيين فلَم يكتف بإستدعاء هذا الصحفي العربي أو ذاك، كلما أراد أن يوجه ( خطاباً للأمة) بل أنفق، عبر مخابراته، الملايين من الدولارات على صحفيين أصدروا صحفاً لحسابه، كان يعرف جيداً أنها لاتلقى الإهتمام ، وإستثنى من تلك ( الفرص ) الخارجية حتى الكفاءات المهنية من (البعثيين) أنفسهم رغم أنهم (أبناء النظام وأحباؤه ) . عقدة الحاكم من إبن بلده تتكرر ، وأصبح التنظيم المهني تابعاً للسلطة ، وأُهدرت الإمكانيات المهنية ليتحول التحقيق الصحفي إلى ( تقرير يعده مكتب الإعلام في الوزارة المعنية ويسلمه للصحفي مشترطاً، حسب توجيه وزيره، عدم الحذف والتغيير ). أما العمود الصحفي فقد شهد مداحين لم يعرف تاريخ الصحافة العراقية لهم مثيلاً، كانوا( يسبحون بحمد القائد) ليل نهار، ويتصيدون ( مكرماته)، وإنتهت ( الإفتتاحية ) في الصحف العراقية وتحولت إلى إنشائيات تكتب بتوجيه من الأعلى، ولم يسلم الخبر المحلي من الحصار فأصدر أحد وزراء الإعلام تعميماً يمنع بموجبه نشرالأخبارالمحلية الرسمية التي لاترد للصحف عبر وكالة الأنباء العراقية. فهل هناك عذاب أكبر من هذا بالنسبة للمهنيين الذين حوصرت كفاءاتهم وهمشوا بهذا المستوى ، ثم نصب النظام نقيباً لهم تعامل معهم ( بالحجز والتوقيف وحلاقة الرأس ).(4)
خاتمة
يكفي النظر الى ما جرى في العراق طيلة حكم نظام البعث و صدام لنلمس حالة التخريب المقصود للعملية الإعلامية المهنية حتى كاد النظام أن يكون نموذجاً لما يحصل في النماذج الديكتاتورية ومثيلاتها . فقد عملت الحكومة على إحتكارالمعلومات ووسائل إيصالها أولاً ، وعلى منع المعلومات المحايدة أو " الأخرى " من الوصول الى الناس ثانياً ، حتى أنها إستكملت حلقة التعتيم والعزلة بغلقها المنافذ القليلة والمحدودة التي إضطرت للسماح بها بداية عهدها . ولا تتوفر في البلاد مصادر صحافية وثقافية عالمية أو حتى عربية إلا بما يتناسب وسياسة الحكومة . وتنشغل مئات من محطات التشويش بمنع المواطن من إلتقاط الإذاعات والمحطات التلفزيونية ، بل أن وسائل البريد والهواتف نفسها تخضع لرقابة متصلة على مدار الساعة . يقول(فولتير) في مقدمة كتابه عن الحياة البرلمانية:"إن الحقيقة لا تبدو ناصعة إلا في ظل الحرية التامة، وبعيدا عن المؤثرات التي يتعرض لها الباحث، لذلك نرى ان الشعوب تقبل في عصور الاستبداد على الصحف المستقلة الرأي، وتبتعد عن الصحف الحكومية لأن مصدر وحيها معروف".(5)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جهاد زاير – الصباح الجديد- ملاحظات اولية حول الخصائص السياسية والإجتماعية للصحافة العراقية
(2) من اوراق إسبوع المدى الثقافي الخامس: الإعلام وتأثيره في العملية السياسية في العراق
د. فائق بطي
(3) المصدر السابق
(4) ليث الحمداني \ صحفيو العراق ...ضحية الأنظمة والاحتلال \ الحوار المتمدن - العدد: 1245 - 2005 / 7 / 1 (5) جهاد زاير – الصباح الجديد- ملاحظات أولية حول الخصائص السياسية والإجتماعية للصحافة العراقية
أحمد الصالح
تقديم
عَرف العراق الصحافة أول مرة بصدور جريدة (الزوراء) باللغة العربية في عام 1869 ابان سلطة الوالي مدحت باشا، وبدأ العراقيون يحتفلون في 15 حزيران من كل عام عيداً للصحافة منذ قيام الاحتفالية بمئويتها عام 1969 . كما عَرف العراق التلفاز عام 1956، ويُعتبر من أوائل الدول العربية التي تأسست فيها هذه الوسيلة الإعلامية المؤثرة، وكان قد عَرف أيضا البث السمعي (الراديو) في العام 1936 حيث يعد من دول الشرق الأوسط الرائدة في هذا المجال.وخضعت الوسيلتان السمعية والبصرية منذ تأسيسهما في العراق الى السيطرة الحكومية وفق تشريعات خاصة، بيد أن الصحافة الورقية يمكن استثناءها من هذه السيطرة المباشرة، سوى القليل من الصحف التي أصدرتها الجهات الحكومية في مراحل تطور العراق السياسي في العهد الملكي الذي امتد حتى قيام الجمهورية في 14 تموز 1958. ثم ليُحصر امتياز الأصدار الصحفي في العهود اللاحقة بيد الجهات الحكومية والمنظمات المرتبطة بها عدا بعض الإستثناءات في هذا العهد أو ذاك .
كانت الصحافة العراقية إمتداد للنزاع السياسي المباشر عقب إنشاء الدولة العراقية ، هذا إذا إستثنينا بقدر ما الصحافة الساخرة التي كانت بدورها مرآةً تهكمية مسيسة في الكثير من الأحيان .ولم يتح للبلاد بلورة ما يسمى " السلطة الرابعة " التي يتعين أن تراقب السلطات الثلاث الأخرى كما يفترض . ومن هذا الموقع واجهت المؤسسة الإعلامية سلطة الدولة الفتية وغير الخبيرة وأحياناً المنحازة الى " العهد " تماماً كما واجهت أحزاباً تقع المنازعة السياسية في صلب عملها ومقدمة أولوياتها مما أفضى في النهاية الى دمج وإخضاع السلطة الرابعة لتأثيرهما بل عمدت الدولة في خضم الصراع ولا سيما خلال الخمسينات الى الغائها بالكامل. ولهذا لم تتمكن الصحافة من تطوير عدتها المهنية بحيث تقوم بالواجبات التي تتحملها مثيلاتها في الديمقراطيات البرلمانية الإخرى . ومع نشوء أجيال من الصحافيين المهنيين والمشاهير من رحم تلك الصحافة السياسية ، إلا انهم كانوا بمقاييس الإحتراف محض معلقين ومحللين سياسيين أكثر منهم أركان صحافة مهنية تقليدية بالمعنى الواسع .(1)
تشريعات قديمة للإعلام
أصدرت السلطات الحاكمة في العراق تشريعات و قوانين تنظم عملية إصدار الصحف منذ العهد العثماني، حيث صدر أول نظام لها بتشريع قانون المطبوعات في 16 تموز1909 بعد الإنقلاب الدستوري لعام 1908. وكان قد صدر خلال ثلاث سنوات من صدور هذا القانون 37 جريدة كان أولها جريدة (بغداد) كأول صحيفة شعبية تصبح ملكاً خاصاً.من مواد هذا القانون:- يجوز أن تعطل مؤقتا الجريدة أو المجلة التي تنشر ما من شأنه أن يخل بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي. (السجن من 3 اشهرالى 3 سنوات)وشرع القضاء العراقي أول قانون عرف بقانون المطبوعات رقم 82 لسنة 1931 والذي يعتبر صدوره من أهم العوامل أو الاسباب التي ادت الى تخلف الصحافة العراقية، خاصة فيما يتعلق بمواد التعطيل الإداري وإلغاء الإمتياز، حيث جاء في فقرات المادة 18 منه: يجوز لوزير الداخلية إنزال العقوبة أذا:- نشر ما يخلُ بأمن الدولة الداخلي والخارجي.- ما يسبب الكراهية والبغضاء بين أفراد الشعب وطبقاته بصورة تخل بأمن الدولة.- ما يؤثر على الصلات الودية بين العراق والدول الأجنبية.- ما يخالف الحقيقة بقصد إثارة الرأي العام.- ما يخل بالآداب والأخلاق العامة.- ما يسبب كراهية الحكومة أو يمس كرامتها.بقي هذا القانون سارياً حتى عام 1954، عندما عدّل بقانون آخر لم يختلف عن السابق سوى أن بعض الأحكام الخاصة بالغرامة والسجن قد إرتفعت. وإرتبطت بعد صدر القانون كل الصحف والمجلات الصادرة في العراق مباشرة بمديرية الدعاية التي انشأتها الحكومة وربطتها بدورها بوزارة الداخلية.
بعد 14 تموز 1958 أنشأت حكومة العهد الجديد أول مرة (وزارة الارشاد) التي أشرفت وسيطرت بصورة تكاد تكون تامة عل وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية.
وبعيد إنقلاب 8 شباط 1963، وفي عهد حكم البعث الأول ألغت حكومة الإنقلاب جميع الصحف والمجلات في العراق، والتي دامت في السلطة تسعة أشهر فقط، على أثر قيام عبد السلام عارف بإنقلاب تشرين وإزاحة حزب البعث العربي الاشتراكي عن الحكم.في 28 نيسان 1964، صدر قانون جديد حمل الرقم 53 ، لم يختلف في جوهره عن القوانين السابقة إلا ما يتعلق بإجازة المطبوع السياسي، حيث نصت المادة على أن يكون عدد أعضاء أصحاب الإمتياز خمسة أفراد بدلاً من واحد فقط، شريطة أن لا يكونون من موظفي الدولة، إثنان منهم يجب أن يكونا من الذين مارسوا المهنة وأن يكون رئيس التحرير من حاملي شهادة كلية الحقوق أو أية شهادة جامعية عليا.
تشريعات جديدة في عهد البعث الثاني
وتبعاً لما تقدم فقد دخل النشاط الصحفي في العراق حقبة حكم البعث الثاني أثر إنقلاب 17 تموز 1968 و هو يحمل معه أرث مشوش وغير مكتمل مهنياً و تأسيسياً لصحافة مستقلة منذ نشؤ الدولة العراقية الحديثة في العام 1921.
و كان لابد للإنقلابيين الجدد أن يصدروا قانوناً جديداً للمطبوعات ينسجم مع توجهات نظامهم الإقصائية والإستئثار بالحكم لصالح حزب البعث الذي شارك في الأنقلاب ثم إستلم مقاليد الأمور تماماً في أنقلاب آخر في 30 تموز 1968 حيث تمكن من إقصاء شركاؤه الفاعلين و الذين كان لهم الدور الأكبر في الإطاحة بنظام عبد الرحمن عارف و هما (عبد الرزاق النايف و ابراهيم الداوود) .
ففي 5 كانون الثاني 1969، نشرت جريدة (الوقائع العراقية) الرسمية الصادرة عن دائرة المطبوعات، نص قانون المطبوعات رقم 206 لعام 1968 الذي بقي ساري المفعول حتى سقوط النظام في 9 نيسان 2003.(2)و هو القانون الذي تم الركون اليه آنذاك في رفع الدعاوى عن ما ينشر في الصحف من (أساءات مفترضة) لنظام الحكم أو لرجاله وهو مليء بالممنوعات والعقوبات والمحرمات وهو أحد أهم القوانين التي جعلت الكتابة آنذاك ورطة ما بعدها ورطة فصاحب المطبوع ورئيس التحرير وكاتب المقال كلهم مجرمون إذا مس المقال شعرة من رأس النظام.
كما صدر أيضا قانون نقابة الصحفيين رقم 178 لسنة 1969 وتعديلاته ، وهو قانون ملغوم بالدس لصالح ( الحزب والثورة) كالتضليل وإستغلال الصحافة بما يفيد جهة معادية أو إثارة الغرائز وما الى ذلك.
لكن يجدر الإشارة الى أن نقابة الصحفيين خلال حقبة "البعث" إستطاعت أن تحقق بعض المطالب المهنية لقسم من الصحفيين خاصة فيما يتعلق بتوزيع الأراضي و على عدة مراحل كان آخرها في مطلع التسعينات . كما تم إصدار قانون صندوق تقاعد الصحفيين الذي كان يؤمل له أن يكرّم الصحفيين في شيخوختهم و يضمن لهم العيش الطيب، لكنه و منذ صدوره حتى اليوم لا يتقاضى الصحفيون بموجبه إلا رواتب بائسة لا تكاد تسد احتياجاتهم ليوم واحد .و هناك أيضا ً مواد من قانون العقوبات الرقم 111 لسنة 1969 والذي نظم أحكام المسؤولية في جرائم النشر في المواد( 81 ـ 84) قرر معاقبة رئيس تحرير الصحيفة بصفته فاعلاً أصلياً للجرائم التي ترتكب بواسطة النشر في صحيفته واذا لم يكن ثمة رئيس تحرير يعاقب المحرر المسؤول عن القسم الذي حصل فيه النشر فضلاً عن شمول الصحفي بجريمة القذف في المادة 433وجريمة السب والشتم في المادة 434 من القانون ذاته.
جرائد و مجلات
منذ بداية عهد إنقلاب 1968 تولت الجهات الحكومية و المنظمات المهنية و النقابية المرتبطة بحزب البعث فقط إصدار الصحف والمطبوعات فضلاً عن سيطرة السلطة سيطرة تامة على الإذاعة و التلفزيون ، و كان التلفزيون بقناتين أرضيتين فقط تبث لساعات محددة من النهار و المساء ولحقتهما قناة تلفزيونية ثالثة في عقد التسعينيات سميت بتلفزيون (الشباب) التي كانت عائديتها "لعدي" الإبن الأكبر لرئيس النظام صدام ، كما شهد عقد التسعينات إنظلاق قناة (تلفزيون بغداد الثقافي) الذي ما لبث ان تحول الى (قناة العراق الفضائية) و التي إستمر بثها حتى سقوط النظام في 2003 . أما (إذاعة بغداد) والتي تأسست في العام 1936 أستمرت ببث برامجها ، ثم أقدمت سلطة البعث على إطلاق إذاعة( صوت الجماهير) . وفي التسعينات أطلق "عدي صدام" إذاعة (الشباب) .
(جريدة الجمهورية) الرسمية التي سبق و أن صدرت في بداية العهد الجمهوري في العام 1958 إستمر صدورها في ظل سلطة البعث و لكن بإدارة جديدة و بتوجهات تنسجم مع خطاب النظام الجديد ، ثم أقدمت السلطة و في وقت مبكر من إستلامها لمقاليد الحكم على تأسيس (دار الثورة للصحافة و النشر) بميزانية باذخة و يسرّت لها مباني ضخمة و مطبعة كبيرة وإستقدمت لها كتّاب عراقيين وعرب أعلنوا إنتمائهم الصريح للبعث وأيدلوجيته رغم أن البعض منهم كانوا محسوبين على الشيوعيين في وقت سابق ، و صدر عن الدار جريدة ( الثورة ) اليومية بوصفها جريدة ناطقة بإسم حزب البعث الحاكم .
و جريدة (القادسية) التي صدرت عن وزارة الدفاع مع بداية الحرب العراقية- الإيرانية عام 1980 و صدرعنها عدد الأحد ( القادسية الإسبوعي) الموسع والمنوع فيما بعد .
كما صدرت عن وزارة الدفاع مجلة (حراس الوطن) التي كانت متخصصة بالشؤون العسكرية و تصدر شهرياً ثم تحولت الى إسبوعية في العام 1989 وأصبحت مجلة منوعة عامة ونافست مجلة (الف باء) بل فاقتها في التوزيع في السوق بعد صدور الأعداد القليلة الأولى منها ، وتم إغلاقها في أواخر العام 1990 بعد غزو النظام للكويت .
و أثر بيان آذار في العام 1970 الذي وضع أسس التحالف بين حزب البعث الحاكم و الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة الملا مصطفى البارزاني صدرت جر يدة (التآخي) باللغة العربية لتكن ناطقة باسم الحزب الكردي المذكور. و بعد إعلان ميثاق العمل الوطني عام 1972 والذي مهد الطريق لقيام التحالف الجبهوي بين حزب البعث الحاكم و الحزب الشيوعي العراقي في العام 1973 ، صدرت جريدة (الفكر الجديد) الأسبوعية في العام 1972 ثم تبعتها جريدة (طريق الشعب) اليومية في العام 1973 أثر إعلان الجبهة بين الحزبين في ذلك العام ، والجريدتان ناطقتان بإسم الحزب الشيوعي العراقي . و هناك أيضا مجلة (الثقافة الجديدة) التي رأس تحريرها "الدكتور صلاح خالص" و هي مطبوع أهلي ، تبنت توجهات يسارية و قريبة من الخطاب السياسي للشيوعيين .
في العام 1979 و بعد إستحواذ "صدام حسين" على السلطة بشكل مطلق وحيث قُضي على التحالف الجبهوي بين البعثيين والشيوعيين قبل ذلك بأقل من عام ، توقفت جريدتا (الفكر الجديد) و (طريق الشعب) عن الصدور العلني و إستمرت مجلة (الثقافة الجديدة) بالصدور برئاسة التحرير نفسها الى أواسط الثمانينات لتتوقف كلياً فيما بعد وفاة رئيس تحريرها ثم تخلي زوجته عنها بعد صدورعدة أعداد منها. وإثر إنهيارالتحالف بين سلطة البعث و قيادة البارزاني توقفت جريدة (التآخي) عن الصدور لتحل محلها جريدة (العراق) بإدارة جديدة و بتوجهات منسجمة مع الخطاب السياسي للنظام خاصة في ما يتعلق برؤيته للمسألة الكردية .
كما صدرت صحف و مجلات عديدة ناطقة بإسم النقابات والمنظمات الجماهيرية التي أسستها السلطة الجديدة للسيطرة على قطاعات المجتمع كافة وللترويج لسياسات حزب البعث الحاكم .
فهناك مجلة (صوت الطلبة) ومجلة (المرأة) ومجلة (وعي العمال) ومجلة (صوت الفلاح) و مجلة ( المصور ) وواضح من عناوينها إنها تدل على الشرائح و القطاعات الناطقة بإسمها بالإضافة الى عشرات المجلات التابعة لمؤسسات الدولة و المنظمات والإتحادات المهنية العراقية والعربية التي كانت في ضيافة نظام الحكم في بغداد . و هناك أيضا جريدة( بغداد اوبزرفر) باللغة الأنكليزية تصدر عن دار الجماهير الحكومية .
و في عقد الثمانينات صدرت جريدة (البعث الرياضي) التي يشرف عليها "عدي إبن رئيس النظام" لتنمو مع السنين وتصبح في ما بعد مؤسسة كبيرة، تضم (نادي الرشيد الرياضي) ثم (اللجنة الأولمبية الرياضية) ثم في التسعينات أصدر "عدي" جريدة (بابل) اليومية التي أتاح لها النظام المجال واسعاً لإنتقاد الأداء الحكومي في قطاع الخدمات خاصة ، عدا التعرض الى شخص رأس النظام و المقربين منه من أفراد أسرته ، ثم مجلة (الرافدين الإسبوعية) و(إذاعة وتلفزيون الشباب) و (التجمع الثقافي) و ( نقابة الصحفيين ) الذي ضم جميع المنظمات المهنية الناشطة في ميدان الثقافة والفنون ، و جريدة ( الزوراء ) الناطقة بإسم نقابة الصحفيين ، وعدد كبيرمن الصحف الإسبوعية القطاعية الصادرة في التسعينات و جميع هذه المؤسسات تحت إشراف "عدي صدام حسين" و ما يُجنى من أرباح نشاطاتها التجارية يعود لحسابه الشخصي .
ملامح مرحلة
في تموز 1979 حيث تسلم "صدام حسين" رئاسة الجمهورية وحزب البعث من سلفه "أحمد حسن البكر"بإنقلاب غير معلن ، إتّبع الحاكم الجديد سياسة "التبعيث" و ( الفكر الواحد ) في مجالات الثقافة والإعلام والتربية، وربط وسائل الإعلام جميعها بوزارة الإعلام والثقافة التي تناوب على كرسيها كل من:
شفيق الكمالي : شاعر وعضو قيادتين قومية وقطرية. طارق عزيز: رئيس تحرير جريدة الثورة السابق ووزير خارجية لاحقاً.سعد قاسم حمودي: رئيس تحرير جريدة الجمهورية ونقيب الصحفيين.حامد يوسف حمادي: المستشار الدائم في القصر الجمهوري.لطيف نصيف جاسم: رئيس تحرير جريدة صوت الفلاح وعضو منظمة حنين الأمنية.محمد سعيد الصحاف: مدير مؤسسة الإذاعة والتلفزيون السابق ووزير الخارجية لاحقاً.واتّبع هؤلاء الوزراء المتعاقبون سياسة الولاء التام "لصدام حسين"، وأسبغوا عليه عشرات الألقاب التي كان يطرب لها الحاكم الفرد، وصعّدوا من أساليب تدبيج المديح والتمجيد، وقاموا بالدفاع عن النظام وحروبه: (الحرب مع إيران 1980-1988 ؛ اجتياح كردستان العراق ومجزرة مدينة حلبجة الكردية بالسلاح الكيمياوي – عمليات الأنفال التي راح ضحيتها 182 الف مواطن كردي 1988 – غزو الكويت 1990 ، تجفيف الأهوار في الجنوب و تشريد سكانها فضلا عن تصفية كل المعارضين للنظام ).
كما كان لمكتبي الإعلام في القيادة القومية و القطرية لحزب البعث و التي كان يشرف عليهما صدام بشكل مباشر منذ وقت مبكر في السبعينات حتى سقوط النظام أثراً بالغاً في رسم السياسة الإعلامية في البلاد . كان التلفزيون العراقي يبث لقاءات "صدام حسين" وخطبه وترؤسه إجتماعات قيادته ومجلس الوزراء وغيرها من الفعاليات ثلاث مرات في اليوم الواحد أو أكثر. كما تبث اذاعة بغداد خطبه في كل نشرة إخبارية على مدار اليوم الواحد.كانت كل الصحف الصادرة تواصل وفي كل عدد ،منذ تولي صدام الحكم في 1979 وحتى يوم سقوطه، نشر صورة لصدام وبحجم كبير في صدر صفحاتها الإولى وبأوضاع مختلفة ( لباس عسكري – زي قبائلي – قيافة مدنية بقبعة وبالكوفية وبدونهما في أكثر الاوقات).وصدرت في عهد "صدام" 31 مادة إعدام في قانون العقوبات البغدادي، كان نصيب الإعلام منها البعض والتي قتل بحيثياتها وبلا سبب، العشرات من الصحفيين والمثقفين، كان" ضرغام هاشم" سكرتير تحرير مجلة (حراس الوطن) أحد الذين أُعدموا في السجون سراً بعد إنتفاضة أذار 1991 وهي الجريمة التي أثارت حفيظة الإعلاميين العراقيين والعرب وإستنكرتها منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان في أرجاء العالم آنذاك. ومن تلك المواد التي طالت المواطن العراقي:- كل من يرمي عن قصد الجريدة التي تحتوي على صورة رئيس الجمهورية في الشارع.- ومن ينتقد أو يطعن بالرئيس وبالحزب القائد.- ومن يهاجم أو يوجه النقد الى الوزراء وأعضاء القيادة القطرية لحزب البعث.- ومن يهين القوات المسلحة.
ولم يكتف النظام بسياسة (التبعيث) وغسل الأدمغة وإعلان الولاء المطلق لصدام ومبايعته التي تكون نسبة المصوتين له في العادة 99،9 دون وجود أي مرشح آخر ، بل قام بسن قانون يفرض على المسؤولين والمواطنين ووسائل الإعلام إضفاء لقب (أستاذ) على إسم نجله عدي.(3 )
و يذكر أن عزت الدوري نائب صدام و المشرف على الإنتخابات في أواسط التسعينات أستكثر على ما نسبته 0, 04 من الناخبين العراقيين ممن تركوا أوراقهم بيضاء في صندوق الإنتخابات، هذا الموقف المعارض الصامت للنظام ووصفهم بتصريح رسمي ( أنهم بلا أخلاق!! ).
طبعاً من الصعب الحكم على حقبة أمتدت 53 سنة من حكم البعث في العراق على أنها لم تشهد ظهور كفاءات صحفية جيدة في شتى ميادين النشر والأخراج الصحفي ، بيد أن أصوات بعضهم غيبتها السجون و الإعدامات ( غيّب النظام الكاتب البارز و الصحفي "عزيز السيد جاسم" في السجن لسنوات حتى تأكد إعدامه بعد الإطاحة بالنظام كما أقدم النظام على إعدام الخطاط و المصمم الفني "سامي العتابي") و آخرين آثروا الصمت و الكثير منهم إضطروا لمغادرة بلادهم الى المنافي . كان الصحفيون المحترفون طيلة كل تلك السنوات ( يتعذبون ) وهم يرون كفاءاتهم تُهدر في صحف متشابهة من حيث الشكل والمضمون، يتألمون وهم يرون صحفاً متطورة تصدر في بلدان لم تكن تعرف الصحافة يوم كان في العراق صحف تُسقط حكومات. وبمرور الزمن أَحكمت الأجهزة الأمنية يدها على كل الحلقات وأصبح الإستشهاد بأقوال (القائد) هو وحده يجنب الصحفيين المساءلة والتشكيك في المواقف الوطنية. وتمادى الحاكم بالإستهانة بالصحفيين فلَم يكتف بإستدعاء هذا الصحفي العربي أو ذاك، كلما أراد أن يوجه ( خطاباً للأمة) بل أنفق، عبر مخابراته، الملايين من الدولارات على صحفيين أصدروا صحفاً لحسابه، كان يعرف جيداً أنها لاتلقى الإهتمام ، وإستثنى من تلك ( الفرص ) الخارجية حتى الكفاءات المهنية من (البعثيين) أنفسهم رغم أنهم (أبناء النظام وأحباؤه ) . عقدة الحاكم من إبن بلده تتكرر ، وأصبح التنظيم المهني تابعاً للسلطة ، وأُهدرت الإمكانيات المهنية ليتحول التحقيق الصحفي إلى ( تقرير يعده مكتب الإعلام في الوزارة المعنية ويسلمه للصحفي مشترطاً، حسب توجيه وزيره، عدم الحذف والتغيير ). أما العمود الصحفي فقد شهد مداحين لم يعرف تاريخ الصحافة العراقية لهم مثيلاً، كانوا( يسبحون بحمد القائد) ليل نهار، ويتصيدون ( مكرماته)، وإنتهت ( الإفتتاحية ) في الصحف العراقية وتحولت إلى إنشائيات تكتب بتوجيه من الأعلى، ولم يسلم الخبر المحلي من الحصار فأصدر أحد وزراء الإعلام تعميماً يمنع بموجبه نشرالأخبارالمحلية الرسمية التي لاترد للصحف عبر وكالة الأنباء العراقية. فهل هناك عذاب أكبر من هذا بالنسبة للمهنيين الذين حوصرت كفاءاتهم وهمشوا بهذا المستوى ، ثم نصب النظام نقيباً لهم تعامل معهم ( بالحجز والتوقيف وحلاقة الرأس ).(4)
خاتمة
يكفي النظر الى ما جرى في العراق طيلة حكم نظام البعث و صدام لنلمس حالة التخريب المقصود للعملية الإعلامية المهنية حتى كاد النظام أن يكون نموذجاً لما يحصل في النماذج الديكتاتورية ومثيلاتها . فقد عملت الحكومة على إحتكارالمعلومات ووسائل إيصالها أولاً ، وعلى منع المعلومات المحايدة أو " الأخرى " من الوصول الى الناس ثانياً ، حتى أنها إستكملت حلقة التعتيم والعزلة بغلقها المنافذ القليلة والمحدودة التي إضطرت للسماح بها بداية عهدها . ولا تتوفر في البلاد مصادر صحافية وثقافية عالمية أو حتى عربية إلا بما يتناسب وسياسة الحكومة . وتنشغل مئات من محطات التشويش بمنع المواطن من إلتقاط الإذاعات والمحطات التلفزيونية ، بل أن وسائل البريد والهواتف نفسها تخضع لرقابة متصلة على مدار الساعة . يقول(فولتير) في مقدمة كتابه عن الحياة البرلمانية:"إن الحقيقة لا تبدو ناصعة إلا في ظل الحرية التامة، وبعيدا عن المؤثرات التي يتعرض لها الباحث، لذلك نرى ان الشعوب تقبل في عصور الاستبداد على الصحف المستقلة الرأي، وتبتعد عن الصحف الحكومية لأن مصدر وحيها معروف".(5)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جهاد زاير – الصباح الجديد- ملاحظات اولية حول الخصائص السياسية والإجتماعية للصحافة العراقية
(2) من اوراق إسبوع المدى الثقافي الخامس: الإعلام وتأثيره في العملية السياسية في العراق
د. فائق بطي
(3) المصدر السابق
(4) ليث الحمداني \ صحفيو العراق ...ضحية الأنظمة والاحتلال \ الحوار المتمدن - العدد: 1245 - 2005 / 7 / 1 (5) جهاد زاير – الصباح الجديد- ملاحظات أولية حول الخصائص السياسية والإجتماعية للصحافة العراقية
Sunday, July 13, 2008
الصحافة العراقية ما بعد التاسع من نيسان 2003
الصحافة العراقية ما بعد التاسع من نيسان 2003 *
أحمد الصالح
مع إسقاط نظام صدام في التاسع من نيسان عام 2003 إبتدأ عهد جديد للصحافة العراقية شهدت فيها تحولات كبيرة ، ولعل كان أبرزها هو رفع جميع القيود التي كانت مفروضة عليها في ظل النظام السابق ، فظهرت أثر ذلك، العشرات من الصحف و المجلات اليومية و الأسبوعية، كما دخل البلاد، العشرات من المراسلين الأجانب لوكالات الأنباء و التلفزيون و الإذاعة و الصحف، وأصبح العراق ورشة عمل صحفي كبرى يحسب لها حساباً على المستوى العالمي بالنظر لجسامة الأحداث الجارية على ساحته ومدى أهتمام العالم بأجمعه بتلقي أخباره و متابعة تطورات العمليات العسكرية و السياسية الجارية في هذا البلد ، خاصة وان سلطات الحاكم المدني لقوات الأئتلاف الدولي في البداية ثم السلطات العراقية الوطنية فيما بعد، قد وفرت أجواء الحرية و فتحت الأبواب واسعة أمام الجميع لممارسة العمل الصحفي و النشر بكافة أشكاله و أنواعه ، إنسجاما مع إلتزامات رجال العهد الجديد بالنهج الديمقراطي و أعترافهم بحق الجمهور بالأتصال و تلقي المعلومات عبر وسائل الأعلام المتعددة، دون قيد أو شرط .
إلغاء وزارة الإعلام وإستحداث الهيئات المتخصصة
بعد ما يقرب من أسبوعين من الإطاحة بنظام صدام ، وفي 23/4/2003 أقدم الحاكم الأمريكي المدني لسلطة الإئتلاف "بول بريمر" على حل وزارة الإعلام العراقية ، والتي كانت جزءاً من المشهد السياسي العراقي لما قبل الحرب ، وتم تسريح كل موظفيها إسوة بوزارة الدفاع و المؤسسات القريبة من مركز القرار للنظام السابق، وإثر ذلك القرار تغير المشهد الإعلامي في العراق رأسا على عقب و قطع صلته بالكامل بما كان عليه قبل سقوط النظام ، فإنتقلت الفعالية الإعلامية من مرحلة الإعلام المُحتكر من قبل سلطة الحاكم المستبد والموجه بإتجاه واحد متمثلاً بعدة صحف وثلاث قنوات محلية وفضائية واحدة، إلى إعلام متحرر من كل القيود وغير منضبط على مستويي الكم والنوع ، فوجدت وسائل الإعلام العراقية نفسها فجأة في مواجهة وضع جديد لم يعشه العراق طيلة الـعقود الماضية كما لاتوجد تجربة مشابهه له من قبل، في الشرق الأوسط أو في العالم العربي . بعد الرقابة الصارمة التي كان النظام السابق يمارسها في إدارته لمختلف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة والتي كانت أشبه بنوع من أنواع الدعاية والوصاية، أصبحت الساحة الإعلامية في العراق متاحة لكل مَن يريد أن يصدر جريدة أو يُنشئ إذاعة أو يؤسس قناة تلفزيونية من دون رقيب، وبالتالي أفرزت هذه الأوضاع عددًا من الظواهر تجسدت في البداية بشكل أو بآخر في حالة من الفوضى والإنفلات الإعلامي، و أبرزت عدداً هائلاً من الصحف والمنشورات أول الأمر، كإحدى معالم المشهد الاعلامي العراقي الجديد - لسهولة إنتاجها وتوزيعها- حتى تراوح عددها من 180 إلى 200 صحيفة يومية وأسبوعية، وأخرى نصف أسبوعية وشهرية، وكذلك صحف تصدر بين يوم وآخر، متباينة في التوجهات السياسية والأيديولوجية، والمذهبية و القومية، و كل منها تتبع الجهة الصادرة عنها، لتتوسع الأمور فيما بعد إلى عدد من الإذاعات و القنوات التلفزيونية المحلية العاملة على نطاق البلد أو على نطاق كل محافظة من محافظات البلاد.ولتنظيم هذه الحركة الإعلامية أصدر الحاكم المدني السابق للعراق "بول بريمر" قرارين الأول بتاريخ 20/3/2004 ويحمل رقم 65 وهو القرار المؤسس لـ"الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام"، أما القرار الثاني فهو الأمر رقم (66) بتاريخ 20/3/2004 والذي ينص على تأسيس "الهيئة العراقية العامة لخدمات البث والإرسال". وهذان القراران كانا يهدفان إلى توفير الهيكلية القانونية والإدارية لتفعيل أهداف ووظائف وآليات عمل الإعلام العراقي الجديد . فأصدرت "الهيئة الوطنية للاتصالات والإعلام" فيما بعد مجموعة من التوجيهات العامة حول قواعد ونظم التغطية الإعلامية، كما أصدرت "اللائحة المؤقتة لقواعد البث الإعلامي" بشقيه الحكومي والخاص. أما "الهيئة العراقية العامة لخدمات البث والإرسال" فهي الجهاز الحكومي الوحيد المؤهل لعمليات البث الإذاعي والتلفزيوني في العراق والتي تشرف على "شبكة الإعلام العراقي" التي تُعد اليوم أكبر مؤسسة إعلامية عراقية ممولة من قبل الدولة و تضم عدد من القنوات التلفزيونية و الإذاعية المتخصصة و عدد من الصحف و المجلات و أستقبلت عدد كبيراً من موظفي وزارة الإعلام و مؤسساتها المنحلة السابقة فضلاً عن أشغالها لعدد من مباني و منافع الوزارة المنحلة.وقد ولدت فكرة إنشاء هيئة الإتصالات والإعلام خلال مؤتمر دولي عقد في العاصمة اليونانية أثينا في حزيران 2003، فقد إعتمد ذلك المؤتمر إطاراً وثائقياً لإصلاح الاعلام العراقي عُرف لاحقاً بـ "إطار أثينا" والذي شكل الأساس لقانون إنشاء الهيئة بعد تشاور الحاكم الاميركي المدني " بول بريمر" مع مجلس الحكم العراقي وإختصاصيين عراقيين في قطاعي الإعلام والإتصالات.و أُنيطت بالهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام المهام التالية :- تنظيم البث وشبكة الإتصالات العامة والخدمات، ويشمل التراخيص والتسعير والربط الداخلي. - وتحديد الشروط الأساسية لتوفير الخدمات العامة وخدمات الإتصالات الدولية. - و تخطيط وتنسيق وتوزيع وتحديد إستعمال ذبذبات البث، وتنظيم مضامين الإعلام. - وتطوير آليات الصحافة المطبوعة، ووضع وتطوير وتعزيز قواعد الإعلام الخاص بالإنتخابات، - ودعم وتشجيع التأهيل المهني، وإعتماد توجيهات السلوك المهني على مواضيع الإعلام، - وتطوير ونشر سياسات إتصالاتية وإعلامية، وإقتراح القوانين على الحكومة والجهات المعنية في هذا الشأن.
يتشكل المجتمع الإعلامي العراقي في الوقت الحالي من أكثر من 200 جريدة ومجلة بين يومية وإسبوعية وشهرية وغيرها. وما يقارب 50 قناة تلفزيونية بين فضائية وأرضية وأذاعية ، تتوزع على لغات البلد الرئيسية (العربية، الكردية، التركمانية والكلدو آشورية). مثلما تتوزع على ألوان الطيف العراقي الأثني والديني، كما تتوزع على أراضي محافظاته، حيث توجد قناة تلفزيونية أرضية واحدة على الأقل لكل محافظة. كما لا يمكن أن نتجاهل الإعلام الإلكتروني، حيث توجد مئات المواقع الإعلامية العراقية الشخصية أوالمؤسساتية على شبكة الإنترنت.
إتجاهات متنوعة
تنوعت إتجاهات التحرير الصحفي في صحف ومجلات العهد الجديد ، بحيث إتصفت كل صحيفة بخصائص تميزها عن غيرها، فظهرت صحف خبرية وصحف الرأي وصحف الإنترنيت التي تستقي كل مادتها الإخبارية والثقافية من الإنترنيت ماعدا المقال الإفتتاحي، وظهرت صحف تعيش في الماضي بإجترار الذكريات الصحفية والسياسية في القرن العشرين، مع ظهور صحف شبابية وأخرى هزلية وصحف فضائح سياسية وصحف الإعلانات وكان صدورالكثيرمن الصحف متذبذباً، بحيث توقفت الكثير من الصحف عن الصدور بعد فترة زمنية قصيرة . وركزت بعض الصحف على الخدمات البلدية والكهربائية والنفطية والإتصالاتية والمالية التي تقدمها الحكومة للشعب بالنقد ومتابعة آخرالآخبار… وهناك صحف أخرى دخلت في معركة جدل الهويات، وفي مدى أحقية ومظلومية كل حزب أو طائفة أو قومية وطلب التعويض على حساب الفئات الأخرى، مما أدى الى تفتيت الهوية الوطنية وماتبعه من تعدد الولاءات بتعدد الهويات الطائفية والقومية والحزبية. إن هذا الجدل العقيم قد كان سبباً في صراعات وصدامات مسلحة، ذهب ضحيتها آلاف الأبرياء في ظل غياب الولاء الوطني الحقيقي.. ومازالتً التجربة اللبنانية في ثمانينات القرن الماضي ماثلة في الأذهان، ودور المليشيات في الحرب الأهلية آنذاك، وما رافقها من مآسي والتي إنتهت بالشعب اللبناني الى حـالة اللا دولة و لعله يعاني من نتائج تلك الأحداث الى اليوم ، و على الدوام كان العراقيون المعتدلون يذكّرون الفرقاء بمآسي التجربة اللبنانية ، لعلهم يعقلون و يتافدونها في أدائهم السياسي على الساحة العراقية.
وجه آخر
و مع هذا التعدد و التنوع الكبيرين في الصحافة بعد سقوط نظام صدام ، لكن بالمقابل فإن هناك وجه آخر للعمل الصحفي في العراق في العهد الجديد تمثل في التهديدات والتحديات التي واجهها العاملون في هذا الميدان، مما جعل ممارسة العمل الصحفي في العراق من أخطر الأعمال على حياة العاملين في عالم اليوم .
إذ لم يشهد العالم بأسره وعلى الرغم من كل الحروب والكوارث التي عصفت بالعديد من الدول ما شهده العراق من إستهداف للصحفيين ، يتمثل تارة بالإغتيالات التي تتم بسرعة وعن بعد, وتارة أخرى بالقتل الوحشي الذي ينفذ بعد نصب الكمائن وخطف الضحايا تحت تهديد السلاح. ومما يزيد من فرص الخطورة وتعقيد العمل الصحفي في العراق أيضا ما يتعرض اليه العاملون في الصحافة من ملاحقة وإعتقالات ومقاضاة بدعاوى كيدية وعلى نحو متواتر يثير القلق. الأمر الذي ينعكس سلباً بالتأكيد على حرية الرأي والتعبير وعلى إنسيابية حركة الإعلام والصحافة وبما يجعل حريةالصحافة في العراق تمضي صوب منزلق خطير.(1) تقول نقابة الصحفيين العراقيين، إن أكثر من 270 صحفياً وإعلامياً قد قتلوا في العراق على مدى خمس سنوات منذ سقوط النظام السابق حتى العام 2008.نعم لقد قام العهد الجديد برفع كل القيود التي كانت مفروضة على الصحافة العراقية، لكنه من جانب آخر ترك الباب مفتوحأ ولم يضع ضوابطً أو شروطاً مهنية واضحة المعالم لممارسة العمل الصحفي أو لإصدار الصحف والمجلات أوإقامة محطات تلفزيونية أو إذاعية، الأمر الذي أدى الى فوضى إعلامية كبيرة في العراق أسفرت عن أصدار عشرات الصحف من قبل أشخاص بعيدين كل البعد عن مهنة الصحافة، مما شكل إنتكاسة مهنية في تاريخ الصحافة العراقية .فمن حيث عدد وسائل الإعلام خلال السنوات ما بعد 2003 فان العراق إحتل المركز الأول على المستوى العربي، لكن من حيث المهنية والنوعية فأنه يحتل مركزاً متأخراً لعدم وجود ضوابط، ما دام كل شخص يمتلك المال يستطيع أن يصدر صحيفة.تفتخر القيادة العراقية الجديدة بأنها رفعت القيود عن الصحافة، حيث قال الرئيس العراقي "جلال طالباني" في بيان أصدره بمناسبة الذكرى الخامسة لأسقاط نظام صدام و قيام العراق الجديد: "أُطلقت حريات العمل السياسي والحزبي والنقابي، وشرعت الأبواب أمام الإعلام الحر فصدرت مئات المطبوعات وتأسست عشرات القنوات التلفزيونية والإذاعية، مما أنهى عهد الرأي الواحد المفروض قسراً".يُذكر أن منظمة مراسلون بلا حدود وضعت العراق فى عام 2007 في الترتيب رقم 157 في التصنيف العالمي لحرية الصحافة الذي تصدره المنظمة كل عام، متراجعاً ثلاث درجات عن العام الذى قبله، ليكون في المرتبة قبل الأخيرة بين الدول العربية، متقدما على فلسطين بدرجة واحدة.وأشارت المنظمة في تقريرها إلى أن الصحفيين في العراق "يخشون بالدرجة الأولى الجماعات المسلحة التي تستهدفهم، في الوقت الذي لم تجد فيه السلطات أي سبيل لوضع حد لحوادث إستهداف الصحفيين". (2)
موجة جديدة من الصحفيين المهاجرين
كما تعرفنا في فصل سابق على ظاهرة هجرة عدد كبير من الصحفيين و المثقفين العراقيين الى خارج البلاد بسبب خشيتهم من ملاحقات و إجراءات النظام السابق القسرية والقمعية، على مدى عقود حكمه الثلاثة و نّيف ، والتي كانت تهدد حياتهم و حياة أُسرهم و مصدر رزقهم ، فلم يهنئ الصحفيون في العهد الجديد طويلاً في العمل الحر في بلادهم ، إذ بعد أن إستبشروا خيراً به خاب أملهم في الإستمرار في العمل داخل البلاد بالنسبة الى كثير منهم إثر تعرضهم لمخاطر عديدة هددت حياتهم و مصادر رزقهم. و إذا كان الصحفيون في السابق يتعرضون الى مخاطر محددة من قبل أجهزة النظام القمعية، فالمخاطر في العهد الجديد متعددة المصادر و مختلفة الأنواع والأشكال، إذ قد تكون تهديداً مباشراً من بعض المتنفذين في العهد الجديد أولئك المتعصبين حزبياً أو مذهبياً ، أو من العصابات و الميليشيات التي وجدت لها مرتعاً خصباً في ظل غياب الدولة القوية و ضعف أجهزتها الأمنية ، أو من خلال المصادمات العسكرية المستمرة ، أو من خلال العمليات الإرهابية التي تستهدف المدنيين مثل التفجيرات و الإختطافات و الإغتيالات التي كان للصحفيين حصة كبيرة منها ..ألخ ،
كل هذه العوامل أدت الى هجرة موجة جديدة من الصحفيين الى خارج البلاد للنجاة بحياتهم و بحياة أُسرهم ، أو للبحث عن فرصة للرزق و العيش بأمان في بلدان المنافي و الشتات . أشار تقرير لمنظمة " مراسلون بلا حدود " الى عدد كبير من الصحفيين الذين يعيشون خارج البلاد بقوله: "يعيش هؤلاء الصحفيون في مأمن إثر نجاتهم من الجحيم العراقي لا سيما أن هذه الدولة تعد الأكثر دموية في العالم بالنسبة إلى المحترفين في القطاع الإعلامي ولكن الإبتعاد عن الوطن لا يعني نهاية مشاكلهم، فمعظم هؤلاء عاطلون عن العمل".وأضاف التقرير أن المحترفين يتعرضون في القطاع الإعلامي للإختطاف على يد جماعات تسيرها الأسباب السياسية أو جني الأرباح.وقد أحصت مراسلون بلا حدود 87 عملية إختطاف لصحفيين منذ بداية النزاع في العراق، وفي هذا السياق، لا يزال 15 إعلاميا محتجزين كرهائن في العراق. وأضافت المنظمة في تقريرها، أنه بالرغم من دعوة السلطات العراقية لإحترام حرية الصحافة "فإن التدابيرالأخيرة التي إتخذتها الحكومة تترجم عجزها" مذكرة بأن وزارة الداخلية إقترحت في شباط 2008 "منح الصحافيين تراخيص لحمل أسلحة"، وبحسب المنظمة ومقرها باريس، فقد قتل 210 صحافيين وعاملين في مجال الصحافة منذ اذار/مارس 2003 وخطف 87 آخرين. واذا كان المراسلون الأجانب أول المستهدفين في المرحلة الأولى من الحرب فقد بات الصحافيون العراقيون اليوم هم المستهدفون، وأن في هذه الظروف غالباً ما يختارالصحافيون العراقيون المنفى "حفاظاً على سلامتهم" ويقرر البعض "الرحيل بعد التعرض لمحاولة أغتيال أو خطف" في حين يرحل آخرون "بمجرد تلقي تهديدات".وبحسب المنظمة فأن "هناك 200 صحافي وموظف في وسائل الاعلام العراقية في الأردن" في حين "يصعب الحصول على أرقام دقيقة" من سوريا. كما لجأ "عشرات" الصحافيين العراقيين الى أوروبا حيث ساعدت المنظمة حوالى ثلاثين صحافياً خصوصاً في فرنسا. وتشير المنظمة الى أن الصحافيين العراقيين في المنفى غالبا ما يعيشون في ظروف صعبة وأن عدداً منهم أضطر الى التخلي عن مهنة الصحافة. وخلصت الى القول إن عودتهم الى العراق "غير واردة حاليا لأن المجموعات المسلحة لا تزال ناشطة في البلاد" .(3) و لعل حادثة إغتيال نقيب الصحفيين العراقيين " شهاب التميمي " آذار 2008 من قبل أفراد مجهولين ، تؤشر الى حد بعيد حجم الخطر الذي يتهدد الصحفيين في العراق اليوم ، مما دفع السلطات المحلية الى التفكير جدياً للبحث عن وسائل ناجعة لحماية الصحفيين .
فقد قامت وزارة الداخلية، أثر ذلك بفتح 43 ملفاً يتعلق بإستهداف الصحفيين وملاحقة الجماعات التي تستهدف عموم الاعلاميين العراقيين. و مما يشار له في هذا الصدد وعلى سبيل (الكوميديا السوداء) ، أن محافظ النجف " أسعد أبو كلل " قد قرر أنشاء (مقبرة خاصة) للصحفيين في مقبرة وادي السلام في النجف ، مما شكل صدمة كبيرة للصحفيين و الأعلاميين العراقيين ، حيث وصفوا هذا القرار بنذير شؤم لهم ، و أشار بعضهم الى أن بعض القوى السياسية في العراق الجديد تحاول دوما أشاعة ثقافة الموت حتى على سبيل الإحسان !!
و أعتبر البعض الآخر هذا القرار بمثابة " دعوة لموت الصحفيين " !!(4)
تشريعات جديدة للإعلام
يعتبر العراق واحدًا من أفضل دول الشرق الأوسط و الدول العربية في قوانينه الإعلامية التي أطلقت العنان للصحافيين في التعبير عن آرائهم وإنشاء مؤسساتهم الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية التي كفل الدستور العراقي حريتها في التعبير حيث نصت المادة 36 من الدستور العراقي لسنة 2005 ضمن الفصل الثاني تحت عنوان الحريات على ما يلي:
تكفل الدولة وبما لا يخل بالنظام العام والآداب:
أولا- حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل.
ثانياً- حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر.
ثالثاً- حرية الاجتماع والتظاهرالسلمي وتنظم بقانون. كما نصت المادة (45) من الدستور "لا يكون تقييد ممارسة أي من الحقوق والحريات الواردة في هذا الدستور أو تحديدها إلا بقانون أو بناءاً عليه، على ألا يمس ذلك التحديد والتقييد جوهر الحق أو الحرية.
كما أقدم مجلس النواب العراقي في نيسان من العام 2008 على مناقشة تشريع قانون لحماية الصحفيين العراقيين تأكيداً لأحكام الدستور الخاصة بحرية الصحافة.
ينص مشروع القانون الجديد على أن " أي إعتداء على الصحفي أثناء تأدية مهامه الصحفية بمثابة إعتداء على موظف حكومي أثناء تأديه واجباته الرسمية ويعاقب المعتدي بالعقوبة المقررة قانوناً على الموظف الحكومي ".
ويؤكد مشروع القانون على أنه لا يعتقل الصحفي أو يلقى القبض عليه بسبب عمله الصحفي إلا عن طريق القضاء وبعد إعلام نقابة الصحفيين العراقيين وحضور ممثلها في التحقيق ." و يتيح هذا القانون للصحفي حق الحصول على المعلومات التي تحتفظ بها الدوائر الحكومية والهيئات العامة لنقلها الى الجمهور ولايحق لتلك الجهات رفض طلبات الحصول على المعلومات إلا في حالة كان الإفصاح عنها سيلحق ضرراً كبيراً باحدى المصالح الوطنية بشكل أكبر من الضرر الحاصل في حالة عدم نشر تلك المعلومات وحجبها عن الجمهور ."
و أتاح القانون " للصحفي الحق في عدم الأفصاح عن مصادر معلوماته مالم يكن ذلك ضروياً لمنع وقوع جريمة أو كشف فاعليها على أن يصدر ذلك بقرار من المحكمة المختصة بالحادث ولايجوز إقامة الدعاوى للمطالبة بالتعويض بعد ثلاثة أشهر من تاريخ النشر ." و شدد القانون على أنه لايجوز مصادرة أدوات عمل الصحفي إلا بإذن من المحكمة ، وأن يكون ذلك ضروريا لمنع وقوع جريمة او التحقيق فيها . وتتكفل الدولة بإنشاء قوة فعالة لحماية الصحفيين ووسائل الاعلام والتحقيق في الجرائم التي تطالهم و على الأجهزة الأمنية إجراء تحقيقات فورية في حالة تعرض أي صحفي لأي نوع من التهديد أو الأذى وأن تبذل الجهود لمعاقبة الجناة ." و أجاز القانون للصحفيين أداء عملهم دون تدخل من قبل القوات الأمنية مالم يكن هناك مسوغ شرعي . كما أوجب القانون على الدولة التكفل برعاية عوائل شهداء الصحافة بتخصيص راتب تقاعدي لهم . وتكفل أيضاً بتخصيص راتب للصحفيين الذين يتعرضون الى الإعاقة بسبب عملهم اذا كان العجز أكثر من خمسين بالمائة . و تكفل بالرعاية الصحية للصحفيين وتتكفل بعلاجهم على نفقتها داخل وخارج البلاد اذا كانت الإصابة أو الإعاقة بسبب العمل الصحفي . و يلزم القانون رؤساء المؤسسات الإعلامية المحلية والأجنبية العاملة في العراق إبرام عقود عمل مع الصحفيين العاملين بتلك المؤسسات وفق نموذج معد من قبل نقابة الصحفيين العراقيين يضمن حقوق المؤسسة والمنتسب فيها ويتم إيداع نسخة من العقد لدى النقابة .
و يؤكد القانون على عدم جواز فصل الصحفي من عمله إلا بعد إخبار نقابة الصحفيين بمبررات الفصل فإذا إستنفذت النقابة مرحلة التوفيق بين الصحفي ومؤسسته تطبق الأحكام الواردة في قانون العمل عند إنتهاء تعاقده .
و يؤكد القانون على حق الصحفي حضور المؤتمرات وكذلك الجلسات والإجتماعات العامة في سبيل تأدية عمله المهني. و يشير القانون الى أن الصحفيين لاسلطات عليهم في أداء عملهم غير القانون .
من الجدير بالذكر أن التشريع القانوني الجديد عرّف الصحفي بأنه: الذي يعمل في الصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية ومنتمي الى نقابة الصحفيين العراقيين، كما ألغى هذا القانون قانون المطبوعات رقم 206 لسنة 1968 بكافة تعديلاته .(5)
و من الإنتقادات التي وجهت للقانون الجديد أنه عرّف الصحفي بالمنتمي لنقابة الصحفيين العراقيين فقط ، علماً أن هناك تنظيمات نقابية و مهنية عديدة تضم عدداً من الصحفيين غير (نقابة الصحفيين) والتي يتهمها منتقدوها بإن هناك تيار سياسي معين قد سيطر على هيكليتها و فعالياتها تبعاً لظروف البلاد المعروفة.
أكد "هادي جلو مرعي" نائب مدير مرصد الحريات الصحفية في العراق : " إن من صاغوا مشروع القانون يحملون عقليات تفكر بإسلوب النظام السابق، وإنهم لم يستوعبوا عمق التغييرالذي حدث في العراق منذ سنة 2003، حسب تعبيره. ووصف "مرعي" النقابات والإتحادات الصحافية بالقيد الذي يحد من حرية الصحافيين".
و تعالت دعوات في مجلس النواب و من قبل عدد من العاملين في ميدان الإعلام، الى إعادة النظر بالقانون و إجراء التعديلات عليه لكي لا يتأطر بظروف المرحلة الآنية ، بل يسري على السنوات القادمة و يتطلع الى المستقبل.(6)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)التقرير السنوى للجمعية العراقية للدفاع عن حقوق الصحفيين بالتعاون مع برنامج دعم الاعلام العراقي المستقل ( داعم ) عن انتهاكات حرية الصحافة والتعبير في العراق لعام 2007
(2)جريدة الشرق الأوسط\ عن وكالة شينخوا\ 21\3\ 2008 \واقع الصحافة في العراق بعد 5 سنوات على الحرب.
(3)وكالة الصحافة الفرنسية (4)شبكة النبأ للمعلوماتية على النت
(5) المركزالاعلامي للبلاغ \ على النت في 29/04/2008م
(6)راديو سوا
*
الصحافة العراقية عند اسقاط صدام في 9 نيسان 2003
الصحافة العراقية عند إسقاط صدام في 9 نيسان 2003*
أحمد الصالح
لم تتغير الخطوط العامة للسياسة الإعلامية لنظام الحكم السابق في العراق، في أيامه الأخيرة ، و التي إنتهجها منذ تولي" صدام" مقادير البلاد عام 1979 ، فرغم الضغوط الكبيرة التي كان يعاني منها الشعب العراقي و الرعب الذي إجتاح البلاد من مجاهيل الحرب القادمة التي بدت نذرها تلوح في الأفق ، و لم تزل الذكريات المريرة لحرب تحرير الكويت و الحرب الإيرانية ماثلة في أذهان الناس ، في حين أستمرت وسائل إعلام النظام في إتباع سياسة التجهيل و إخفاء المعلومات و كيل الإتهامات للخصوم و التزلف و التطبيل لرأس النظام و الدعاء له بالعمر المديد و الإنتصار على أعداءه .
و كالعادة تصدر الإنتهازيون و المتملقون و الجهلة الصفوف و تولوا المناصب و سيطروا على المفاصل الرئيسية في ماكنة الإعلام الرسمي و غير الرسمي .
يقول الأديب العراقي المعروف "عبد الستار ناصر": (جاءني الصديق الصحفي هاشم حسن برزمة من صحف النظام وقال (أقرأ) وكان ذلك قبل التحرير طبعاً، إذا بي أمام كارثة حقيقية عنوانها الصحافة في العراق، طباعة رثة، وإخراج متخلف، وحروف مثلومة وصور باهتة وقصائد مضحكة ومقالات يرثي لها، وفي أعلى كل صحيفة وصية عجفاء من وصايا القائد (المحنك!) .
ماذا تراني قرأت في كومة الصحف التي جاءت من بغداد؟ قرأت عن مأدبة إفطار أقامها المقاتل الكيمياوي علي حسن المجيد في ذكري شهداء (النصر المبين!) وقيادة فرع (سيف القائد) تهدي سيفها ثانية إلي الرئيس بمناسبة التصدي للجيوش العالمية عام 1991 وجاءت الهدية من الرفيق (عكلة عبد صكر ) عضو قيادة قطر العراق، وقد وردت في كلمته وصف صدام بالمؤمن المجاهد، والجهبذ العبقري والمعلم الأول!!
الجرائد العراقية تنشر صورة صدام وهو (يصلّي) في كربلاء والنجف الأشرف وما من أحد يمكنه القول: إن صدام هو الذي أمر بضرب كربلاء والنجف الأشرف، ذلك ان الصحافة العراقية تصدر تحت لمعان السيف والخنجر والسكين وأمام رائحة البارود وحبال المشانق، وكل من يعمل في صحف النظام يحيا بروح تقول (كلا) ولسان محكوم بالرعب لا يكرر غير (نعم ) وإذا اخترع الإنسان جهازاً يقرأ الأفكار لما كان مصير الصحفيين تحت حكم النظام المقبور غير الموت وبتر الأصابع واللسان .(1)
إستمرت الصحف الحكومية اليومية وغيرالحكومية بالصدور حيث يتصدر صفحاتها الإولى يومياً صورة لصدام بغض النظر عن وجود خبر يتعلق بنشاطاته من عدمه و هذا سياق إعتمدته الصحافة العراقية منذ آب 1979 مما أفقد الصحف خاصية مهمة من خصائصها المهنية .
و الصحف هي :
(الثورة) وتصدر يوميا عن دار الثور للصحافة والنشر وهي ناطقة باسم حزب البعث الحاكم .
(الجمهورية) و تصدر عن دارالجماهير للصحافة والنشر وهي جريدة حكومية رسمية .
(العراق) وتصدرعن دارالعراق للصحافة والنشر وأوكل لها دورالنطق باسم الأحزاب الكردية الموالية للنظام التي لم يكن لها وجود أصلاً بعد فك التحالف (الكردي-البعثي) منذ السبعينات .
(القادسية) وهي جريدة يومية سياسية منوعة تصدر عن وزارة الدفاع و يرافقها مطبوع آخر بإسم القادسية الأسبوعي ـ يصدر كل يوم أحد .
و ( بغداد أوبزرفر ) و تصدر باللغة الإنكليزية عن دار الجماهير للصحافة .
و ( البعث الرياضي ) و تصدر عن اللجنة الأولمبية التي يشرف عليها عدي صدام .
و إستمرت مجلة (ألف باء) الأسبوعية بالصدور عن وزارة الثقافة والإعلام ، وهي مجلة عريقة سبق و أن صدرت في الستينات قبل إستلام البعث للسلطة لكن خطابها تغير بما يتماشى مع الخطاب الرسمي للنظام .
و مجلة ( مجلتي ) المعنية بالأطفال و الصادرة عن دار ثقافة أطفال في وزارة الثقافة والإعلام .
إلى جانب 24 صحيفة إسبوعية تصدرها النقابات والمنظمات المهنية والإتحادات الجماهيرية و ماتصدره المحافظات أيضاً التي كان يشرف عليها "عدي" منذ العام 1992 .
فلقد سبق لعدي الأبن الأكبر لصدام أن أقام إمبراطورية إعلامية منذ أواسط الثمانينات عندما أصدر جريدة (البعث الرياضي) في ذلك الوقت و تضخمت الى حد كبير في مطلع التسعينات عندما ضم جميع الإتحادات الجماهيرية والمنظمات المهنية ( نقابة الصحفيين وإتحاد الأدباء ونقابة الفنانين وجمعية المصورين وجمعية الشعراء الشعبيين ...الخ )، تحت مظلة (التجمع الثقافي) الذي ترأسه وأشرف عليه ومن خلالها أصدرعدد كبير من الصحف الإسبوعية التي يفترض بها أن تكون ناطقة بإسم تلك المنظمات لكنها في الحقيقة مشاريع تجارية يعود ريعها الوفير الى حساب "عدي" الشخصي ، و ذلك من خلال الإعلانات و الصفقات المريبة التي كان يبرمها عبر ممثليه المشرفين على هذه الصحف مع دوائر الدولة أو مع الشركات التجارية الخاصة ، و قد ظهرت أسماء كثيرة من وكلاء "عدي" في الوسط الإعلامي والذين كان لهم دور في عقد هذه الصفقات بتوكيل منه شخصياً .
حتى سقوط النظام إستمرت جريدة ( بابل) بالصدور اليومي وهي تصدر عن دار بابل للصحافة و النشر التي كان قد أسسها "عدي" بعد حرب تحرير الكويت في مطلع التسعينات و جهز لها موارد مادية و بشرية ضخمة بعد أن إستحوذ على إحدى مطابع و مباني ( دارالحرية ) الحكومية و أدرجها ضمن ممتلكاته الخاصة .
و من تلك الصحف التي تعود ملكيتها الى عدي شخصياً :
جريدة (نبض الشباب) والتي كان أول صدور لها بعد نجاة "عدي" من محاولة الإغتيال التي تعرض لها في العام 1996 حيث حاز "عدي" على لقب ( نبض الشباب!! ) ، و جريدة ( الزوراء ) و التي كانت تصدر عن نقابة الصحفيين، و جريدة ( ألوان) و مجلة ( الموعد ) وهما معنيتان بالنشاطات الفنية ، و جريدة ( الرأي ) والتي قدمت نفسها بخطاب إسلامي ينسجم مع توجه النظام في تلك المرحلة ، و جريدة (المصور ) و جريدة ( الإتحاد) و مجلة ( الرافدين ) الإسبوعية ، و مجلة ( المرأة ) و مجلة (صوت الطلبة )، و جريدة ( الزمن ) التي أريد لها أن تستقطب المثقفين العراقيين المهاجرين و الذين كانت مواقفهم معلنة و معروفة في معارضة النظام آنذاك .
يقول " وجيه عباس " : ( ما بعد عام 2001 كنت أدير بشكل كامل صحيفة (الزمن) الأسبوعية وهي ثقافية منوعة،أراد لها عدي صدام حسين أن تسحب عيون القارئ العراقي عن صحيفة (الزمان) اللندنية التي يديرها "سعد البزاز"، والتي كانت بحق البضاعة السرية الأكثر تهريبا لسواق طريق النقل البري،رئة العراقيين الوحيدة إلى الخارج آنذاك، طريق بغداد-عمان، ومدار بحث المعنيين بالصحافة الأهم من عراقيي الداخل، عبر شبكة الإنترنيت حتى حجبها بشكل كامل من الشبكة العنكبوتية في منتصف العام 2002، بل حجبها عن الوزراء أنفسهم ). (2)
وإستمر تلفزيون العراق الرسمي ببث برامجه و إذاعة بغداد كذلك .
و كذلك إستمرت قناة العراق الفضائية التي كانت قد تأسست في أواسط التسعينات في بث برامجها اليومية المعتادة .
وإستمر تلفزيون الشباب و إذاعة الشباب بث برامجهما على مداراليوم ، وسبق للمحطتين أن أنشأهما "عدي" مطلع التسعينات بعد أن إستحوذ على ممتلكات القناة الثانية التلفزيونية الحكومية و إذاعة صوت الجماهير الحكومية أيضا وأدرجهما ضمن ممتلكاته الخاصة .
تهجم شنيع
من الأمور اللافتة في ذلك الوقت قيام جريدة (بابل) بالتعرض الى موضوع حساس جداً لم يجرؤ أحد ان يتناوله في العراق في جدل علني وفي صحافة رسمية .
فقامت الجريدة بالتهجم على ( الطائفة الشيعية ) بشكل مباشر و صريح و طعنت بمعتقادتهم و طقوسهم متغافلة ان ( الشيعة ) في العراق يشكلون نسبة الأغلبية من السكان.
نعم ، لقد تعرضت جريدة (الثورة) الناطقة بإسم حزب البعث، في وقت سابق و في العام 1991 بعد القضاء على إنتفاضة الجنوب التي قامت بعد حرب الكويت و إنهيار الجيش و أنسحابه حينذاك .
لكن الكاتب في حينها حاول أن يبطن كلامه ولا يصرح بشكل علني أنه يستهدف (شيعة العراق) حصراً في التهجم و التشنيع، اما ما جاءت به جريدة ( بابل ) في أُخريات أيام النظام قبل سقوطه فهو تهجم صريح و يعبرعن موقف النظام من أبناء شعبه وبطريقة إستفزازية لعلها تبرر لنا الكثير من المظاهر التي برزت بعد سقوط النظام .
( نشرت جريدة (بابل) مقالة تحت عنوان (طقوس عاشوراء عند الرافضة) في عددها الصادر في العاشر من نيسان (ابريل) الماضي. إن هذه المقالة الإستفزازية قميئة فعلاً بكل إدانة وإستنكار وهي إن دلت علي شيء فإنما تدل علي مستوي الخواء الفكري والسياسي لصحف النظام والناطقة باسم بعض رموزه.إن الفقرات النـزيرة التي نقلتها جريدة عراقية معارضة تصدر في لندن عن جريدة (بابل) تقطر في الحقيقة سماً طائفياً متخلفاً، هو الوجه الآخر للقطران الطائفي الذي راح يفوح ويفيض من البرامج والبيانات الطائفية من الجهة المقابلة والتي تريد وإن أنكرت ذلك علناً وتكتيكيا إقامة إتحاد للإمارات الطائفية المتذابحة في العراق.
ففي مقالته يذهب كاتب (بابل) الذي إمتشق لغة طائفية سقيمة سادت في عهد المماليك وما قبله من عصور الإنحطاط الحضاري التي أعقبت سقوط بغداد علي أيدي المغول وصعود نجم السلاجقة الترك فيستعمل كلمة (الرافضة) جمع (الرافضي).في النـزر اليسير الذي أقتبس عن تلك المقالة المفعمة بالسوء، نقرأ، أن الكاتب (البابلي) يشنع على أغلبية المجتمع العراقي من الطائفة الشيعية بأنهم (أبناء زنى لأنهم يبيحون العلاقات الجنسية المحرمة (وأن مزارات أئمة الشيعة - وهم جميعا من أحفاد النبي العربي الكريم كما يعلم القارئ -وعتباتهم المقدسة هي أماكن للاختلاط الجنسي بهدف التكاثر السكاني..) و(أن الشيعة أو الرافضة حين يبكون خلال طقوس عاشوراء فهم لا يبكون علي الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب وإنما يبكون مصيرهم ومصير أجدادهم الخونة الذين خانوا الله ورسوله والصحابة..) فهل ثمة تشنيع طائفي أكثر بذاءة وحقدا علي ملايين العراقيين من هذا؟) (3)
إختراق و إضطراب
و من الفعاليات المبتكرة لمعارضي نظام صدام آنذاك ان قامت احدى صحف المعارضة بطبع إحدى أعدادها بترويسة ومانشيت صحيفة (بابل) التي يصدرها عدي صدام وأرسلت خمسين ألف نسخة منها الى بغداد وتم توزيعها هناك ونفدت خلال ساعات حيث استبشر المواطنون عندما اكتشفوا أن عنوان الصحيفة (بابل) لكن موادها ضد نظام صدام ولما علمت أجهزة النظام بهذه الفعالية أعلنت حالة الطوارئ بين صفوفها ولكن بعد فوات الأوان·
ليس هذا فحسب بل إن هناك مجاميع قصصية وشعرية معارضة لكتاب وشعراء عراقيين في داخل العراق أخذوا يطبعون مؤلفاتهم بشكل سري وبطريقة التصوير ويوزعونها على المواطنين وبعضها يرسل الى خارج العراق·
في أواخر أيام النظام و قعت أجهزته الأمنية و العسكرية في إرتباك و اضطراب كبيرين إنعكس بالتالي على أداء منتسبيها الذين أخذوا يبحثون عن ملاذ آمن لهم بعد أن تسربلت لهم القناعة أن النظام زائل لا محالة في الحرب القادمة ..
إن ما ورد في مذكرات الطبيب الشخصي لصدام وأسرته الدكتور الجراح "علاء بشير" و التي نشرها في كتاب بعنوان ( كنت طبيباً لصدام ) يشير بدقة الى التردي الكبير الذي وقع فيه النظام و رجاله .
يقول بشير : ( كانت مظاهر الإنهيار تطالعنا واضحة في كل مكان، ففي أماكن متزايدة من بغداد بدأت مياه الصرف الصحي في ملء الشوارع من الرصيف إلي الرصيف. كان الماء يصعد من الأرض ولا أحد يعرف من أين.
كان طفح مياه الصرف الصحي يحدث دائما بالطريقة نفسها فقد كان يصيب الحي تلو الآخر بالتناوب وعندما استقصيت هذه الظاهرة عرفت السبب: لقد أصاب جنون الفساد قطاع الصرف الصحي ببغداد أيضا. عندما تطفح مياه الصرف الصحي في مكان وتملأه كان الناس يذهبون للمهندس المسؤول في الإدارة المختصة، وهناك كان الفني المسؤول متواجد دائما وفي مقابل رشوة مناسبة يقوم بتحويل مياه الصرف الصحي إلي حي سكني آخر.. كانت هذه تجارة مربحة. لقد إمتد الفساد في كل المجتمع العراقي ولم يتوقف امتداده حتي في الوسط الأكاديمي فقد ازدادت الحالات التي يأخذ فيها المدرسون والأساتذة ــ الذين لم تعد الحكومة قادرة علي دفع رواتبهم ـ الرشاوي من تلاميذهم وطلابهم من أجل مساعدتهم علي إجتياز إختبارات القبول أو الإمتحانات. بدأت الجامعات والمعاهد العليا في العراق التي كانت تعمل علي مستوي عال وتبعاَ للنموذج الإنكليزي، بدأت مثلها مثل كل شيء في المجتمع العراقي في الإنهيار وقد ساهمت الطبقة الحاكمة في هذا الإنهيار، فقد ظهرت على كثير منهم فجأة عقد الإحساس بالنقص لأن الأعضاء الشباب في حزب البعث بدأوا في الترقي. وكان معظمهم من الحاصلين علي الشهادة الجامعية ودرجة الدكتوراه من جامعة بغداد. وكان معظم المقربين من صدام من الحاصلين علي شهادة إتمام التعليم الابتدائي أو الثانوي على الأكثر. )(4)و قد إنعكس هذا الإضطراب على الصحافة و وسائل الإعلام الرسمية و غير الرسمية التي لم تعد مقُنعة لمتلقيها العراقي و الذي أخذ يتخلى عنها تماماً و ينصرف لتلقي الأخبار و المعلومات من مصادر أخرى خاصة تلك المعارضة للنظام .
لقد كان رأس النظام و أفراد إسرته يعيشون في عالم آخر غير مشغولين بمصير الشعب و البلاد و غير مشغولين حتى بمصائرهم الشخصية لقناعتهم أنهم سينجون من الحرب القادمة كما نجوا و نجا نظامهم في حروب و أزمات سابقة .
ان ما ورد في مذكرات الدكتور الجراح "علاء بشير" ، يدل بوضوح على أنماط تفكير و سلوك بعض أفراد أسرة صدام قبل أيام من بدء العمليات العسكرية التي أطاحت بنظامه .
يقول الدكتور علاء :
( في السادس من كانون الثاني تم إلغاء العرض العسكري الذي يقام عادة في عيد الجيش. فقد اصبح من الواضح لكل مواطن عراقي عاقل أن العد التنازلي للحرب ضد أميركا وبريطانيا قد بدأ وأن العراق ليس لديه أي قدرة علي المقاومة. وبينما كان المفتشون يبحثون بلا جدوي عن أسلحة الدمار الشامل في العراق التي لم تكن بحوزة صدام، وبينما كانت التهديدات تنهال علينا من واشنطن ولندن، إذا ب "قصي" الأبن الأصغر لصدام يطلبني إلي بيته. فإبنته ذات الخمس عشر سنة لم تكن راضية عن أنفها، وطلبت مني الأسرة أن أعدله. فبينما تدق طبول الحرب علي مشارف العراق كانت عائلة صدام منشغلة بمثل هذه الأمور. وعلي أي حال فقد كانت عملية بسيطة، قد أجريتها آلاف المرات في مستشفي المنصور من قبل. وفي اليوم التالي طلبت إلي بيت" رغد" ابنة صدام زوجة "حسين كامل" فقد كانت ابنتها، حفيدة صدام ذات الستة عشر ربيعا، "حرير"، تريد تجميل أنفها هي الأخري. وكأنهم لم يكتفوا بذلك.. فقد اتصلت بي بعدها أخت زوجة قصي للسبب نفسه. وفي الخامس عشر من شباط كنت قد انتهيت من الثلاث عمليات. وقد لفت نظري أن عائلة صدام لم تكن تدرك ما ينتظرها وما تعنيه الحرب وما ستجلبه عليهم. لم يكن تقييمهم للأمور سليما كما ظهر لاحقا فيما بعد.
في الثالث عشر من شهر مارس قبل بدء الحرب بأسبوع أجريت آخر فحص علي مريضاتي الثلاث. ولفت نظري اختفاء جميع النجف والأثاث الإيطالي من بيت قصي في الجادرية وبدا البيت شبه خال. كان للموت رائحة في ذلك المكان. أما وطبان أخو برزان و صدام فقد أرسل لي قبلها بأيام داعرتين من صديقاته بصحبة أحد حراسه، أرادت أحداهما تصغير صدرها والثانية تعديل عظام الحوض حيث كانت فعلا كبيرة الحجم فأجبتهما أن الوقت غير مناسب تماماً لأن البلد يستعد لخوض الحرب. وغضبتا جداً عندما أرسلتهما دون تلبية رغبتهما. اتصل بي حارس وطبان بعدها بيوم قائلا: «إن رئيسي يسألك ماذا إذا كان من الممكن أن تساعد الفتاتين بالرغم من ذلك»؟ فأجبته: لآلقد وصلت حياة وطبان إلي هذا المستوي المتدني فلم يعد يشغله غير الخمر والراقصات والداعرات. وكان هذا هو وضع سبعاوي أيضا، الأخ الأكبر لبرزان.)(5)
بهذه الأجواء دخل العراق الحرب مع قوات التحالف الدولي فكان من الطبيعي أن يحصل الأنهيار الكبير الذي شهدناه لنظام صدام و بهذه السرعة ، و ذلك يفسر صمت أغلبية الشعب العراقي و عدم مقاومته للقوات الغازية و التي رفعت شعار التحرير للشعب من الدكتاتورية و الإستبداد .
و كانت الصحافة بإضطرابها و ترديها المريع في أخريات أيام النظام تعبر تعبيراً صادقا عن حال النظام و مدى ترديه و إرتباكه و ضعفه .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جريدة الزمان اللندنية - بهدؤ رجاءاً - متي سنصدق ما جري؟ - عبد الستار ناصر- مايس 2003(2) وجيه عباس- صحفي عراقي- مقالة على النت
(3) جريدة ابن الرئيس والتهجم علي الطائفة الشيعية - إستفزازات ضد العراقيين جميعاً.. وليس طائفة بعينها - علاء اللاميجريدة (الزمان) العدد 1317 التاريخ 2002 - 9 – 20
(4) كنت طبيبا لصدام _ الدكتور علاء بشير الطبيب الشخصي لصدام حسين
(5) المصدر أعلاه.
* )
Saturday, July 12, 2008
Subscribe to:
Posts (Atom)
